إذا علمت هذا فنرجع إلى ما نحن فيه ، ونقول : لنا أن نختار الشقّ الأول من الترديد السابق ، وهو أن الصورة البسيطة الاجمالية للممكنات موجودة في علم اللَّه تعالى ، صادرة عنه بالايجاب المحض ، وليست قائمة بذاته تعالى ، بل بنفسها ، بناء على ما أبداه شارح [ التجريد ، في الفرق الذي سمعته ، ويقال : ان الممكنات ، حاصلة في العلم ، وليست قائمة بالذات . وقدح الشارح في هذا الفرق إنما هو يطلب الدليل في مقام الدعوى . ومقامنا هذا مقام الاحتمال والامكان . فلا ضير علينا في الأخذ بهذا الاحتمال في هذا الباب ، إذ لسنا في منصب الاستدلال على وجوب شيء من هذه الاحتمالات .
إن قلت : قد تم ما ذكرته ، بناء على هذا الفرق ، لكن بقي عليك أن هذا الشق الأول خلاف المفروض من قولك ، كما ذكرت أولًا . فهو - وان صح في نفسه - لا يصح في فرض الكلام معك .
قلت : قد أشرت بقولي : ( ويمكن أن يذهب إلى الاحتمال . . . الخ ) . إلى اني قد أخذت زمام السير عن تلك الطريق إلى طريق أخرى . فلست ذاهباً في هذا إلى أن العلم - الذي هو صورة - صفة الذات ، بل أقول : إنه أمر قائم بنفسه ، له نسبة إليها ، أو إلى صفتها ، كما لا يخفى . وأنت خبير بأنه لو أجرى هذا ، على مذهب الحكماء ، لم يبعد ، فيقال : الممكنات موجودة بصورة إجمالية بسيطة ففي علمه تعالى ، الذي هو عين ذاته . ولا تكون قائمة بذاته ، بل بنفسها .
وأنا أقول : لا وجه لالتزام الشارح هذا القول ، مذهباً للمتكلمين ، ونفي بعده عن مذهب الحكماء ، فإنه - كما لم يقل به أحد من الحكماء - لم يقل به أحد من المتكلمين سواه . فلعله - لعده نفسه من المتكلمين - جعله مذهباً كلامياً ، ونفي بعده عن مذهب الحكماء ، لو ذهب اليه ذاهب منهم ، أو وجه به كلامهم . وأيضاً ، كيف ساغ للشارح ان يدعي إمكان هذا ، مع أنه يرد عليه ما شنع به على « المحقق الطوسي » طبق النعل بالنعل ! .
* * *
التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 399
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٣٩٩