غير صحيح . فكونها معلومة قبل الحدوث غير صحيح . فما تدعيه ، ووقع عليه الاتفاق ، من أن الحوادث صادرة عن الواجب بالاختيار ، غير صحيح ، لعدم سبقها بالعلم . فلا يتم هذا الاعتراض الثامن ، فان لنا ان نلتزم ان العقل صادر بمحض الايجاب - كسائر الحوادث - على ما ألزمناه .
وأما ما يقوله الظاهريون « 1 » من المتكلمين - جواباً عن هذه المعارضة - من أن علم الباري تعالى قديم أزلي ، وبه يتحقق الاختيار ، وتعلقه بالحوادث حادث ، فلا يستدعي وجوداً أزلياً للحوادث ، لا في الخارج ، ولا في العلم ، حتى يجري برهان التطبيق . فهو قول سخيف لا يفيد شيئاً ، إذ العلم ما لم يتعلق بالشيء ، لم يكن ذلك الشيء معلوماً ، ولا ينبعث اختيار المختار ، إلا بعد تعلق العلم بالصادر . فهذا القول يفضي إلى كونه غير عالم بجميع الممكنات أزلًا ، وإلى كونه غير مختار في شيء منها ، لما أن الاختيار لا يكون إلا بعد التعلق ، والتعلق ليس إلا بعد الحدوث ، كما زعموا . فإنهم التجئوا إلى هذه الخرافة ، لما أنهم لا يقولون بوجود علمي ، يكون به الشيء متحققاً ، ولا بوجود خارجي أزلي . ولا يتعلق العلم بالمعدوم الصرف . فلم يبق لهم سبيل سوى ان قالوا : ان التعلق إنما يكون بعد الحدوث ، تعالى اللَّه عن ذلك ، علواً كبيراً . وما تمحل به بعض الناظرين لهؤلاء الظاهريين ، ناسباً إلى الشارح عدم تتبع كلامهم ، فهو ردّ عليه ، لأنه هو الذي لم يتتبع كلامهم ، فافهم .
قال الشارح - في جواب هذه المعارضة - : المخلص من هذه الورطة ما أشرنا اليه سابقاً ، في مسألة الحدوث ، من أن الباري تعالى ، يعلم بعلمه البسيط جميع الأشياء بصورة واحدة ، إجمالية ، ليس فيها تفاصيل صور الأشياء ، حتى يجري فيها برهان التطبيق . فالملازمة مقبولة ، وبطلان اللازم ممنوع . بل الأشياء موجودة بوجود واحد علمي بسيط أزلي ، وليست صورها فيه بالمفصلة . وذلك العلم البسيط مبدأ كاف
هامش
( 1 ) - القائلون بالوقوف عند ظواهر النصوص ، لإنكارهم التأويل ، ومن أبرز أئمتهم ابن حزم الأندلسي ، صاحب [ الفصل في الملل والأهواء والنحل .