وحاصل الايراد : انه ان أراد ان حصول الشيء بالنظر إلى القابل ممكن ، لجواز أن ينعدم المقبول مع وجود القابل - من حيث هو قابل - ولا يستحيل عدم القبول ، بالنظر إلى ذات القابل - من حيث هو قابل - بوجه ، وحصوله بالنظر إلى الفاعل واجب ، لعدم جواز عدم المعلول ، ومع وجود العلة ، إذا استكملت شروط العلية . فيستحيل عدم الشيء عند وجود فاعله ، من حيث هو فاعل ، خصوصاً إن كان تامّاً . وما ذاك إلا لقوة استناد منه اليه ، فيدوم بدوام ذاته ، كأنه من تمام ذاته ، فيكون حصوله للفاعل آكد ، وأوثق فلا يكون دون حصوله للقابل ، فمسلم ، لكن لا يظهر ، ولم يتبين ببرهان أن الحصول على أي وجه كان يكفي في حصول التعقل ، وان العمدة في التعقل هو قوة بالنسبة ، ولم لا يجوز ان الحصول بوجه الحلول - وان كان أضعف - يكون شرطاً في التعقل ، فان القوة في طرف الوجود - من وجوب ، وإمكان - وهي غير ما الكلام فيه من التعقل . كما أن حلول العرض في المحل شرط في اتصاف المحل بالعرض ، وبه يحصل الاتصاف ، بخلاف حصوله للفاعل ، وان كان آكد . فليس بشرط في اتصاف الفاعل به ، ولا يحصل به الاتصاف . وان أراد أن حصوله للفاعل ، في كونه حصولًا لغيره ، على وجه كونه علماً ، ليس دون حصوله للقابل في ذلك . على هذا الوجه ، فممنوع ، وأول الكلام .
ونقول : أما شرطية القبول في العلم ، فقد مر عليك ما ينفيها في الوجه الرابع . ثمّ إنك قد سمعت مراراً أن العلم هو الحاضر عند المدرك . وإذ كان الشيء حاضراً ، عندما ليس بلازم أن يكون حاصلًا له ، فلأن يكون حاضراً عندما نسبته اليه نسبة تمام الذات من الذات ، أولى . وأنّى للعاقل أن يذهب إلى صدور الشيء عما كان مقطوع الصلة عنه ، ولم يكن حاضراً لديه . فالتفت أدنى التفات لما أومأنا اليه في هذه المقالات تنتقل إلى درجة أعلى . وأنت ترى ان كثيراً من وجوه الشارح هذه مكرر ، يرجع بعضه إلى بعض ، ولكن كأنك لا ترى بأساً بأن يتكرر الإيراد عند اختلاف المورد .
* * *
التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 384
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٣٨٤