حصول المعقول من أي طريق أتى . فان ذهب وهمك إلى أن لا سبيل إلى الحضور ، فيما وراء الذات ، إلا سبيل الحلول ، لما انه أتم النسب للاتصال ، بعد الاتحاد ، فتفطن واعلم أن مدار أمر الحضور عند الغير ، انما هو تحقق نسبة الاتصال بينهما . ومعلوم ان نسبة الشيء لفاعله ليست أدنى من نسبته لقابله ، بل النسبة للفاعل أرقى وأعلى في مقام الاتصال ، فان الشيء قد يكون لفاعله بالاقتضاء ، كما في الفاعل التام ، بل في جميع الفاعلين . والمناقصات متممات لنفس الشيء ، لا لنفس فاعله ، بخلاف نسبته إلى القابل فإنها الإمكان دائماً . فالنسبة إلى الفاعل ، نسبة هي أتم النسب ، بل المحقق يعلم أن تعقل الصورة إنما كان لما للعقل فيها من الفعل ، ولو أنه كان قبولًا محضاً ، لم يفد تعقلًا ، فلتفهم . فاذن المعلولات الذاتية للعاقل الفاعل لذاته ، حاصلة له ، حاضرة عنده ، من غير أن تحل فيه ، فهو عاقل لها ، من غير أن تكون حالة فيه .
* * * 123 - ( قد علمت أن الأول عاقل لذاته . . . الخ ) .
أقول : قد علمت بما بيّن في محله ، أن الواجب عاقل لذاته ، لحضور ذاته المجردة عند ذاته ، من غير تغاير بين ذاته ، وعقله لذاته ، في الوجود الخارجي ، فان العلم بالذات ، عين العالم والمعلوم ، بدون مغايرة في الخارج ، كما أشرنا اليه فيما سبق ، بل ولا تغاير في الوجود العلمي أيضاً ، إلا باعتبار البحث الاختراعي ، الذي لا منشأ له في نفس الأمر . وقد ذكر ذلك « الشيخ » في [ الشفاء حيث قال : ( ذاته تعالى : عقل ، وعاقل ، ومعقول ، لا أن هناك أشياء متكثرة . وذلك لأنه ، بما هو هوية مجردة ، عقل . وبما يعتبر له أن هويته المجردة لذاته ، معقول ، فهو معقول لذاته . وبما يعتبر له ان ذاته لها هوية مجردة عاقل ذاته . فان ( المعقول ) هو الذي ماهيته المجردة لشيء . و ( العاقل ) هو الذي له ماهية مجردة لشيء . وليس من شرط هذا الشيء ان يكون هو ، أو آخر ، بل شيء مطلقاً . والشيء مطلقاً أعمّ من أن يكون
التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 377
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٣٧٧