كل فعل في العالم فهو منه ابتداء . والفاعل بالاختيار يتوقف فعله على التصور الجزئي ، أي لا يصح ان يصدر عنه فعل حتى يتصور خصوصيته ، ولا يكفي تصور كل لصدور جزئياته ، وذلك مبرهن عندهم ، إذ قال الشيخ في [ الإشارات : ( الرأي الكلي ، لا ينبعث عنه الشوق الجزئي ) ، أي الإرادة الجزئية . وبيّنه الشراح مستدلين عليه بأن نسبة الكلي إلى جميع جزئياته سواء ، فتصور الكلي ، والتصديق بما يترتب عليه ، إنما ينبعث عنه ميل إلى فعل مطلق ، والمطلق لا يصح وجوده إلا في ضمن فرد ، ونسبة جميع الأفراد إلى مطلقها مستوية ، فليس صدور أحدها أولى بهذا التصور من صدور الآخر ، فلا بد من تصور جزئي تنبعث عنه إرادة جزئية لصدوره ، وإلا كان ترجيحاً بلا مرجح ، وانه محال .
ولكون الرأي الكلي لا ينبعث عنه الشوق الجزئي ، مع كون النفوس المجردة إنما تدرك كلياً ، ولا تدرك جزئياً ، إلا بواسطة الآلات الجسمانية ، ولكون النفوس الفلكية يصدر عنها أفعال جسمانية جزئية ، هي الحركات ، أثبتوا للفلك - وراء النفس المجردة - قوة جسمانية ، هي مبدأ تخيّل الحركات الجزئية ، حتى يصح صدورها عنها ، وربما سمى بعضهم - كالامام - تلك القوة نفساً منطبعة .
وإذا ثبت كل من المقدمتين ، عندهم ، هكذا : الواجب فاعل لكل ما في العالم بالاختيار ، وكل ما هو فاعل بالاختيار يتوقف فعله على التصور الجزئي ، فالواجب تعالى يتوقف فعله على التصور الجزئي ، والجزئيات المادية مما يصدر عنه تعالى ، فيتوقف صدورها على تصورها جزئية ، بل لو لم تكن صادرة عنه بالمباشرة - على خلاف التحقيق - فهي صادرة عن بعض المبادئ العالية ، كالعقل الفعال ، ويجري فيه مثل ما يجري في علم الباري ، فالباري تعالى يجب أن يعلم الجزئيات المادية ، علماً جزئياً ، فلا يصح ما ذكرت في توجيه مذهب الفلاسفة ، مذهباً لهم ، فان قواعدهم تأباه .
وقول الشارح : ( قلت . . الخ ) جواب عن هذا الشك . حاصله : أنهم لا يريدون من التصور الجزئي - الموقوف عليه الشوق الجزئي - ما هو جزئي حقيقي ، بل
التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 366
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٣٦٦