أنه لا يعلم الجزئيات المادية ، على وجه الجزئية ، بل إنما يعلمها بوجه كلي ، منحصر في الخارج فيها - أنه يعلم الأشياء بأسرها بنحو التعقل ، كما في علم ( المعرف ) ب ( التعريف ) . لا بطريق التخيل المخصوص بالعلم الانفعالي ، المرتسم في الحواس . « فلا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء » . لكن علمه تعالى لما كان بطريق التعقل ، لم يكن ذلك العلم مانعاً من فرض الاشتراك ، فان ( المقيد ) ، وإن قيد بما لا يتناهى من القيود ، فهو قابل للاشتراك الفرضي ، وإن كان لا يكون في الخارج إلا واحداً . وإنما تمتنع الشركة عند حضور المادة بنفسها ، عند المدرك ، بهويتها الخاصة . فهو علم كلي ، ومعلومه الخارجي شيء واحد ، إن أدركناه بحواسنا ، سمي جزئياً ، ولا يلزم من ذلك أن لا يكون بعض الأشياء معلوماً له - تعالى عن ذلك - كما توهمه الناظرون في كلامهم . بل ما ندركه على وجه الاحساس والتخيل ، يعلمه تعالى على وجه التعقل . فالاختلاف في نحو الادراك ، من كونه كلياً وجزئياً ، لا في المدرَك - بفتح الراء - فان التحقيق أن الكلية والجزئية ، صفتان للعلم بمعنى ( الصورة الحاصلة ) .
وربما يوصف بهما المعلوم ، لكن باعتبار العلم . وحاصل القول : أن الباري تعالى يعلم الجزئيات المادية ، لا من طريق انعكاس صورها الخارجية في آلات له درّاكة ، بل يعلمها بطريق ما تعلم به الذات ذاتها أو جزئياً آخر أو كلياً . وهذا النحو من الادراك للماديات يسمى في لساننا بالادراك الكلي ، إذ لا يسمى الإدراك جزئياً في الماديات إلا لو كان بطريق انعكاس صور الجزئيات على الآلات الجسمانية ، حتى يمتنع فرض الاشتراك فيه . وعلى هذا لا يستحقون التكفير ، فإنهم قد أثبتوا علم اللَّه بجميع الكليات والجزئيات ، غايته على وجه غير الوجه الذي عليه علومنا ، وهذا لا ضير فيه . فلا يرد عليهم ما أورده الطوسي ، ولا حاجة لجوابه . فليس هذا الحاصل حاصلًا لما وجه به الطوسي كلامهم ، كما وهم الناظرون . وليس تحصيل الشارح هذا تحصيلًا للمشهور ، الذي
التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 359
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٣٥٩