موضوعها ، وهو ذاته . ولأن كل من يعلم شيئاً ، فالمقتضي لعلمه : إما ذات العالم ، أو في ذات العالم . فالعلم حقيقة تقتضي الانكشاف إلا لمانع ، وليس شيء أقرب للشيء من نفسه ، فالموانع دون ذاته ممتنعة ، فهو يعلم ذاته . وليس ذات الباري ذات الوجوه الكثيرة الحاجبة عن الانكشاف ، بل لا وجه لها إلا عين حقيقتها . لا لأنه يعلم لأنه هو الذي يعلمه ، إلا أن يكون العلم من مقولة الفعل ، فيحمل على ما أسلفنا . وقد يقال : إنك قد تعلم الشيء ، وتغفل عن أنك تعلمه . فما قدمته من أن علمه بالكائنات يقتضي علمه بأنه يعلمها ، فيكون عالماً بذاته ، ممنوع ، اللهم إلا أن تصور « على أن من يعلم غيره يمكن أن يعلم ذاته » ، والممكن للباري واجب له ، لأن كل ممكن له استحال أن ينفك عنه ، وإلا كان فيه شائبة القوة . . . وهو خلف . وهذا - أي عموم علمه تعالى - لكل ما يصح أن يعلم ، مما وافق فيه الفلاسفة ، وصرح به « أبو علي بن سينا » والشيخ « أبو نصر الفارابي » منهم ، وتشهد به الفطرة السليمة لمن نظر . وهذا الطريق من الاستدلال - أي ما كان بالآثار على مبدئها - هو النهج الملائم لهذا المقام ، أي مقام إثبات العقائد الدينية ، حتى يتحصل ما به النجاة على طبق الشرع . وأما إثبات علمه تعالى في مقام البحث عن الحقائق ، للعلم بأنها حقائق ، فقد يلائمه طريق آخر ، هو الاستدلال ب ( اللِّم ) ؟ . والفلاسفة لما كان بحثهم إنما هو عن الحقائق ، للعلم بها على ما هي عليه في نفس الأمر ، أثبتوا علمه تعالى بطريق ( لمي ) يطول الكلام فيه . حاصله : أن الباري تعالى لما كان موجوداً قائماً بذاته ، ليس فيه كثرة بوجه ، كان مجرداً قائماً بذاته ، وهو بذاته حاضر عند ذاته . والعلم : حضور حقيقة الشيء مجردة عند المجرد القائم بذاته ، فالباري تعالى عالم بذاته ، لذاته ، وكل ممكن فهو صادر عن ذاته ، والعلم بالعلة يستوجب العلم بجميع معلولاتها ،
التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 353
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٣٥٣