تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 351

مساهمون:

ص٣٥١
وأورد على هذا الدليل أن المقدمة القائلة : أفعال الباري متقنة . إن أريد بها أن أفعال الباري في غاية من الانتظام ، من كل وجه ، بحيث لا خلل فيها أصلًا ، بأن تكون على طبق المصالح المطلوبة فيها ، بحيث لا يتصور ما هو أكمل منها ، فهي ممنوعة ، فان عالمنا هذا مملوء بالشرور والمفاسد ، بحيث لو رفعت لكان أولى وأكمل بهذا العالم من كونها فيه . وإن أريد أنها متقنة في الجملة ، فذلك حاصل في بيوت النحل ، ونسج العنكبوت ، وغير ذلك ، من أفعال الحيوانات ، مع أنه من المعلوم أن هذه الحيوانات غير عالمة . والجواب باختيار الشق الأول - وهو أن أفعال الباري لا يمكن ما هو أكمل منها - وما تذكره من أن الدنيا ممتلئة بالشرور والمفاسد إنما هو في نظر الأعمش غير المحقق ، الجاري على غير برهان ، وإلا فعند التحقيق وانتهاج طريق البرهان لا تجد موجوداً من الموجودات ، ولا فعلًا من الأفعال ، إلا وهو خير محض في ذاته . وجميع العوالم قائمة بترتيب عجيب ، لو اختل شيء منها لفسد العالم بأسره . وما يتراءى من الشرور فإنما هي أمور نسبية عدمية ، في اعتبار المعتبر فقط ، كما بين ذلك في الفنون الحقيقية الإلهية ، بل لو سلم أن من الموجودات ما هو شر ، فقد يكون شراً إذا نظر إلى مجرد ذاته بدون نسبته إلى العالم ، كمالًا في جملة العالم ، لو اطلعت على فائدته في جملة العالم لرأيت أنه خير . ألا ترى أن من بنى بيتاً لم يكن له بد أن يبني فيه كنيفاً ؟ . وهو قبيح في ذاته ، كمال للبيت حسن فيه . ومن رأى أنفاً بارزاً في وجه مغطى ، فلا محالة يستقبح تلك القطعة البارزة ، ويتحير في فائدتها ، ولكن لو نظر إليها مع الوجه لرآها في غاية الحسن . وكل هذا تَنَزُّل ، وإلا فالكلام في إتقان الصنعة ، من حيث هي صنعة . - أي من حيث كمالها في الوجود - لا من حيث كونها شراً أو خيراً ، أو ما يتلو ذلك ، مما يشبه مواد التخاطبات العرفية ، فافهم . وباختيار الشق الثاني : وقد أشار إليه الشارح بقوله : ( ولا يرد أن بعض الحيوانات قد يصدر عنها أفعال عجيبة ، متقنة ، كما يشاهد في بيوت النحل ) . من