الحدوث لا الإمكان ، فما لم يكن حادثاً لا يكون محتاجاً إلى العلة . وهي - أي الصفات - قديمة ، فلا تحتاج أي علة أصلا ، لعدم علة الاحتياج ، التي هي الحدوث . وضعف هذا الاعتراض ظاهر ، لأن القائل بأن علة الاحتياج الحدوث ، لا يقول بممكن قديم . أما إن ثبت عنده ممكن قديم ، فلا محالة يذهب إلى أن علة الاحتياج الامكان ، أو شيء من لوازمه ، إذ منع الاحتياج حينئذ مكابرة صريحة ، إذ مع تساوي طرفي الوجود والعدم - بل مع رجحان العدم ، فان الممكن معدوم لذاته - لا بد من مرجح يرجح طرف الوجود على العدم . وكيف ينكر احتياج هذه الصفات إلى العلة ؟
والحال أن احتياج هذه الصفات إلى الموصوف - بمعنى أن للموصوف مدخلًا في وجود الصفة ، بأي وجه كان - بين لا يمكن إنكاره . وما احتاج إلى شيء له مدخل في الوجود ، فقد احتاج إلى جزء علة أو تمامها . فالقول بأن الصفات قديمة ، مع القول بعدم احتياجها ، قول متناقض في نفسه ، لأن القول بكونها صفات ، قول بالاحتياج ، والقول بعدم الاحتياج ، قول بنقيضه . فإذا اجتمعا لقول واحد ، فقد تناقض ، ولا يدفع التناقض إلا بأن تكون ذوات واجبة الوجود ، أو بأن تكون صفات محتاجة إلى الغير في الوجود . ومناقض أيضاً لقاعدتهم القائلة : إن علة الاحتياج هي الحدوث . وليس مناقضاً للقاعدة إذا أخذ بشقيه : أي القدم ، مع عدم الاحتياج ، إذ مع عدم الاحتياج لا تناقض ، بل التناقض إذا أخذ بشقه الأول فقط ، وانضمام الاحتياج البديهي إليه ، وذلك لأن الصفات لما كانت قديمة - وهي محتاجة إلى الموصوف بالضرورة - لم تكن علة الاحتياج الحدوث ، بل لا بد أن تكون علة الاحتياج الإمكان ، أو شيئاً من لوازمه ، حتى يتم القول بقدم الصفات . * * *
91 - ( وقيل : لو سلمنا الاحتياج ، فلا نسلم . . . الخ ) . أقول : قال قائل في الجواب عن الدليل المتقدم : سلمنا أن كل ممكن يحتاج إلى علة ، وأن الصفات تحتاج إلى العلة .
لكن لا نسلم استحالة الشق الأول - وهو أن
التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 324
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٣٢٤