حجة الاسلام الغزالي في ضمن قوله : ( قد بطل الجبر المحض ، وكون العبد مضطراً في جمع أفعاله ، حركاته كحركات الجماد والنبات ، وذلك بحكم الضرورة ، فإنه لو صح لكان المتدرج على السلم ، والساقط في الهواء سواء ، والمرتعش الذي لا يتمالك أن لا يرتعش ، مع من يحرك يده باختياره سواء ، ونحو ذلك . وبالجملة ، تستوي الأفعال القهرية ، بل غير المشعور بها ، والأفعال الاختيارية ، وذلك باطل ، فان البداهة حاكمة بالفرق بين حركة المرتعش ، وحركة المختار ، وبين الساقط ، والمتدرج . وبطل كون العبد خالقاً لأفعاله ، بالأدلة السمعية المتعارضة ، بظواهرها ، مع سمعية أخرى ، والعقلية المذكورة في الكتب المبسوطة الكلامية . وكفاك ما سمعت منا سابقاً . فلما بطل كل من الأمرين ، وجب علينا أن نعتقد ثالثاً بينهما ، وهو أنها مقدورة بقدرة اللَّه تعالى ، خلقاً وإيجاداً ، وبقدرة العبد على وجه آخر يعبر عنه بالاكتساب .
فحركة العبد باعتبار نسبتها إلى قدرته تسمى كسباً له ، إذ الكسب والمكتسب هو الداخل تحت القدرة الحادثة ، من حيث إنه كذلك ، وباعتبار نسبتها إلى قدرة اللَّه تسمى خلقاً ، فان الخلق والمخلوق هو الداخل تحت القدرة القديمة ، من حيث إنه كذلك . كما نص عليه الشيخ الأشعري ، فهي خلق الرب ووصف العبد . وكسبه وقدرته خلق الرب ووصف العبد ، وليست كسباً له ) وهذا تتميم للكلام . وأقول : المنقول من كتاب الشيخ الأشعري في هذه المسألة - على ما ذكره الشهرستاني ، « 1 » هو هذا : ( العبد قادر على أفعاله ، إذ الانسان يجد من نفسه تفرقة ضرورية بين حركات الرعدة والرعشة ، وبين حركات الاختيار والإرادة .
والتفرقة راجعة لما أن الحركات الاختيارية حاصلة تحت القدرة ، متوقفة على اختيار القادر ) . ثمّ قال : ( المكتسب هو المقدور بالقدرة الحادثة ، والحاصل تحت القدرة الحادثة ) . انتهى ما نقل عنه .
هامش
( 1 ) - أبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أحمد [ 479 - 548 ه 1086 - 1153 ممن مشاهير مؤرخي المقالات والفرق ومؤلف كتاب الملل والنحل .