لا يضر ، فإنه لم يتوقف في الحقيقة على ما سوى ذاته ، فليس في مثل هذا التوقف رائحة النقص بوجه من الوجوه .
فتحقيق مذهب الشيخ الأشعري يتحد مع تحقيق مذهب الحكماء ، ومسألة الايجاب والاختيار ، وقدم العالم وحدوثه ، ليست من لوازم هذه المسألة . والقول بالتوليد مناف للتحقيقين ، فان حقيقة التوليد - كما تقدم - أن يصدر عن فعل الفاعل فعل آخر ، فيكون صادراً عن نفس الفاعل ، لا مباشرة ، بل بالواسطة . ومبنى التحقيقين على صدور الكل عن الواجب مباشرة ، الذي هو معنى ( الابتدائية ) في كلام الشيخ الأشعري . وحاصل القول أن الحكماء قالوا : الواجب فياض دائماً ، وبحر جوده لا يحجب عن المستحق ، لا وجوباً عليه ، بل فضلًا منه ، لمحض الجود ، ونفي شوائب البخل ، فإن كان منع فمن طرف القابل ونقصه وانحطاط درجته عن أن يستحق فيض الجود عليه . فإذا أفيض من قبل الواجب ما به يتم وجوده . فقد استحق الفيض ، فيفاض ، فلا حجاب ولا منع من طرف الواجب ، ولا عجز ولا انثلام في قدرته . والشيخ الأشعري - رضي اللَّه عنه - قال : إن الواجب تعالى فياض وفاعل لكل شيء ، لا يشاركه غيره في إيجاد شيء من الأشياء ، لكمال قدرته وعموم قهره ، وان كان قد يمتنع إيجاد الواجب لشيء إلا بعد ايجاده لشيء آخر ، لما أنه من متممات وجوده ، فيتوقف عليه ، لاحتياج من الحادث إليه ، لا لاعتماد من الواجب عليه ، فلا قصور من طرف الواجب ، بل القصور من طرف الممكن . وعلى كلا القولين فالكل فعله ، لا يصدر عن غيره صادر ، فلا مخالفة بين القولين بوجه من الوجوه ، إلا ما كان من تعبير لفظي لا يعتد به في الاعتقاديات . فانظر نظر الانصاف في ذلك ، فتدحض لديك حجج المبطلين السالكين طرق الفساد ، الآبية نفوسهم إلا العناد ، يدعون السنة وهم ناصروا البدعة .
وأي بدعة أكثر من تكفير من يدعون الايمان بما جاء به محمد بعضهم لبعض ، بدون استناد لا إلى كتاب ولا إلى سنة ، وإنما هو لمجرد أن يقولوا : مذهبه يخالف مذهبنا ، قد رأوا أن لا يوافقوا الحكماء في قول من
التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 292
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٢٩٢