أقول : قد قال الامام باللزوم العقلي ، ولم يبين منشأه ، مع أنه قد تقرر أن التلازم بين شيئين إنما يكون لكون أحدهما علة للآخر ، أو لكونهما معلولين لعلة ثالثة موجبة ، توجب الارتباط بينهما ، وإلا فلا تلازم ، والثاني غير متحقق ، فليكن الأول . فان قلتم : إن التلازم لاشتراكهما في علة واحدة ، وهي الإرادة ، قلنا : فمع إقرار جميعهم بأن الإرادة ليست علة موجبة ، يتوقف على كون الإرادة المتعلقة بهما ، واحدة ، مع أنه يمتنع تعلقٌ واحدٌ بمتعلقين على سبيل القصد والاستقلال .
فان قلتم : إن التلازم بين الإرادتين . قلنا : نطلب منشأ التلازم بينهما . ولا يصح كونهما معلولين ، ولا إحداهما علة للأخرى . فكان الحق أن هذا من الامام جريٌ على ما قاله هو من منع حصر التلازم فيما ذكروه . بل قد يكون التلازم بين شيئين ليسا معلولين لعلة واحدة ، ولا أحدهما علة للآخر ، ومثل له بالمتضايفين ، وإن كان رده المحقق الطوسي في [ شرح الإشارات أو تقول : كما أنه لا يصح لعاقل أن ينكر التلازم بين شيئين مطلقاً ، لا يصح لعاقل أن ينكر التوقف مطلقاً ، فان من البديهيات أن لا يجتمع البياض والسواد ، في محل واحد ، في آن واحد ، فوجود أحدهما يتوقف على زوال الآخر بالضرورة . والمنع مكابرة ظاهرة . وكذلك الكل لا يمكن وجوده إلا بوجود أجزائه ، والقول بأن الكل يوجد بدون الأجزاء ، ولا يستحيل وجوده بدون الأجزاء ، سفسطة بينة ، وقول بوجود الشيء ولا وجوده ، ببداهة العقل . فالشيخ الأشعري لا يليق بفضله إنكار التوقف رأساً ، حتى ينجر ذلك به إلى ارتكاب مثل هذه المحاولات التي لا يقول بها الصبيان . بل لا بد أن يقال : إن الكل والجزء ، وما شابهه من الأمور التي لا يكون الشيء في ذاته شيئاً إلا بأن يحصل معه الآخر ، كالشرط والمشروط ، إذا تعلقت إرادة اللَّه بايجاد شيء يكون تعلق إرادته بالآخر ، لاحتياج ذلك الشيء إليه ، فكأن وجودهما وجود واحد . وكذا يقال في
التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 289
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٢٨٩