كل شيئين تلازماً ، لا من جهة علة موجبة ، فان لواحد منهما مدخلًا في الآخر ، لنقص الآخر واحتياجه إليه . لا لنقص في الفاعل واحتياج منه إليه ، فلا مدخل له في التأثير ، بل في الأثر . وبهذا البيان يتحد مذهب الشيخ مع مذهب الحكماء ، على التحقيق الآتي ، اتحاداً كلياً ، فإنهم يقولون : المعدات ، لتكميل القابل ، حتى يكون محلّاً لإشراق الوجود ، لا لاحتياج الواجب في التأثير إلى شيء . فَرَغِمَ أنف الناظرين . ثمّ إن مذهب الامام هو مذهب المحققين من الأشاعرة ، وعليه جرى أكثر المتأخرين . * * *
71 - ( واعلم أن تحقيق مذهب الفلاسفة . . . الخ ) . أقول : قد اشتهر أن الفلاسفة قسموا المعلولات ، من حيث صدورها عن الواجب ، إلى قسمين : صادر من غير واسطة ، وهو المعلول الأول . وصادر عن الواسطة ، فلا يصدق عليه أنه صادر عن الواجب ، إلا من حيث أن الواجب مصدر تلك الواسطة ، لا لأنه مصدر نفس المعلول . وهذا القسم هو ما بعد المعلول الأول . فعلى هذا يكون الممكن مصدراً لوجوده غيره ، وإن كان الواجب مبدأ الكل ، فهو مصدر الكل : الأول حقيقة وبالمباشرة وما بعده مجازاً وبالواسطة . فان مصدر الشيء حقيقة ، هو ما عنه صدر الشيء . أي ما أعطى الشيء وجوده ، والباري ، تعالى ، إنما أعطى الوجود المعلول الأول ، ثمّ إن المعلول الأول أعطى ما بعده وجوده . . . وهكذا . فينسب ما بعد المعلول الأول إلى اللَّه تعالى ، بالصدور ، لأنه تعالى معطي معطيها . وموجد موجدها ، لا لأنه موجدها . وهذا المذهب ينافي مذهب الشيخ الأشعري كل المنافاة ، فان الشيخ قائل بأن لا مصدر لشيء من الأشياء إلا الواجب ، فهو مصدر الكل مباشرة ، بدون واسطة ، وهو المعطي لكل ممكن وجوده مباشرة . وليس لممكن من الممكنات أن يؤثر في شيء من الأشياء ، لا بالوجود ولا بالعدم .
التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 290
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٢٩٠