فنقول : قد سمعت مراراً : أن إيجاب أمر من الأمور ، ليس يعني به إلا إيجاب تحصيله وإحداثه . والتحصيل والاحداث فعل ، هو السعي في الأسباب . فقولنا : أول واجب هو المعرفة ، يغني عنه أن أول واجب هو تحصيل اليقين باللَّه تعالى .
وتحصيل اليقين ، والسعي في أسبابه ، من الأفعال التي يصح التكليف بها . * * *
68 - ( وبه تحصل المعرفة ) . أقول : أي بملابسة النظر الصحيح ، تحصل المعرفة ، من غير احتياج معه إلى مشاركة المعلم ، كما يستفاد من تقديم المعمول ، المفيد للحصر ، فهو حصر قلب ، لا حصر إفراد ، إذ قد تحصل المعرفة بالالهام ، أو البداهة . ودوام حصول المعرفة عن النظر إما بصدورها عقبه من اللَّه تعالى ، بطريق جري العادة فيه ، بأن يكون قد اختاره سبباً لها ، وله أن لا يصدرها عقبه ، وله أن يصدرها عقب شيء آخر ، فليس صدورها عنه لازماً ، ولا كونه سبباً واجباً . وهذا ما ذهب إليه بعض الأشاعرة ، لما تقرر عندهم من وجوب استناد الأشياء بأسرها إلى اللَّه تعالى ابتداء ، من غير أن يتوقف شيء على شيء ، أو يلزم شيء شيئاً . وإما بصدورها عقبه ، على وجه كونها ناشئة عنه ، متولدة منه - كما ذهب إليه المعتزلة القائلون بالتوليد - وهو أن يصدر عن الفاعل فعل بواسطة فعل آخر صادر منه ، كحركة المفتاح الصادرة بسبب تحريك اليد . ويقابله المباشرة ، وهي أن يصدر عنه فعل بلا واسطة . فالنظر صادر عن الفاعل مباشرة ، والعلم صادر عنه بالتوليد ، أي فنسبته للفاعل ، لأنه مولد من فعله وناشئ . وأورد : أن النظر ليس فعلًا ، فإنه الحركة ، والحركة ليست من مقولة الفعل ، فليس داخلًا في المولد . فأشار الشارح إلى دفعه بأنه فعل ، سواء قلنا هو الترتيب ، أو
التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 284
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٢٨٤