تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 277

مساهمون:

ص٢٧٧
تعالى ، إذ ذاك هو الأصل المطلوب ، والكمال المرغوب . وإيجاب الواجبات ، وتحريم المنهيات - خصوصاً في القسم العيني ، وهو ما يتعلق بذات الشخص - إنما كان لأجل تتميم المعرفة ، بصفاء مرآة النفس . فهي المقصد ، وجميع الواجبات - فعلًا وتركاً - توابع لها ، فمن ثمّ قيل : يتفرع عليه - أي على ما ذكر من المعرفة - وجوب الواجبات ، وحرمة المنهيات . وأيضاً : إن واجباً من الواجبات ، لا يجب على المكلف تحصيله شرعاً حتى يعلم أن ذلك مما يجب عليه . ولا يعلم ذلك حتى يصدق بالشرع ، ولا يصدق بالشرع حتى يعرف اللَّه تعالى ، كما هو ظاهر ، وسيأتي فلا يجب عليه واجب من الواجبات ، إلا بعد معرفة اللَّه تعالى . فوجوب الواجبات مفرع على المعرفة ، إذ هي أصل تبتني عليه جميع الأحكام . وجميع الأحكام موجهة إلى المكلف ، بالضرورة الشرعية ، فيجب عليه أن يحصل ما انبنت عليه تلك الأحكام ، حتى يحصل ما به ينتظم تحت من تجري عليهم هذه الأحكام ، الذي هو واجب عليه . فان كل مكلف يجب عليه ما أوجبه الشرع من الواجبات ، ويحرم عليه ما حرمه من المنهيات ، وذلك إنما يكون بعد معرفة الموجب والناهي . فالمعرفة أول واجب . وهذا الوجه ، وإن كان دقيقاً ، إلا أن فيه تكلفاً ، ولا يخلو عن ضعف . وأيسر ما يقال فيه : أن معرفة الواجب تكون بمنزلة تحصيل النصاب للزكاة ، ولم يقل أحد بوجوبه . والوجه الأول ، أولى وأسلم . وأيضاً قد أشار الشارع - صلى اللَّه عليه وسلم - إلى أن القصد من العبادات ، والأخلاق ، التخلق بأخلاق اللَّه تعالى وذلك لا يمكن إلا بعد معرفة اللَّه تعالى . فهي متقدمة على جميع العبادات ، وما يتبعها فهي أول واجب . وهذا قول حقيق بالقبول ، قد اتفق عليه الملّيون ، وجماهير الحكماء . وقال المعتزلة ، والأستاذ أبو إسحاق الأسفراييني : أول واجب هو النظر . إذ المعرفة موقوفة عليه . وما توقف عليه الواجب فهو واجب .