بقي النزاع في أنه هل ثبت من طريق العقل أيضاً ، الوجوب بهذا المعنى ؟ فذهب الأشاعرة إلى أنه لم يثبت ذلك من طريق العقل ، فان علم مثل هذا الثواب ، وهذا العقاب ، مما لا يهتدي إليه العقل بمقدماته ، بل لا بد فيه من مخبر صادق ، وهو النبي ، فان علم الأمور الحسية - كالجنة والنار ، وما فيهما من النعيم والعذاب - لا تكتسب بطريق النظر ، بل لا بد فيها من الحس ، أو الأخبار ، كما هو ظاهر . وإذا لم يعلم المترتب ، فكيف يعلم ترتبه على شيء ؟ فلا سبيل لعلم ترتب هذا الثواب وهذا العقاب إلا الأخبار . وأما أن النظر والفكر في العالم لتحصيل الحقائق على الوجه الحق في الواقع ، على قدر الطاقة البشرية ، واجب ، أي يمدح فاعله ، ويذم تاركه . وأن الواقف على الحقائق ، المستبصر بنور المعرفة ، منعم بعلمه .
وأن الجاهل معذب بجهله . فذلك مما يمكن للعقل أن يدركه بمقدماته ، بل قد وقع ذلك لكثير ، كما وقع لحكماء اليونان وغيرهم ، بل وكذلك سائر الأخلاق ، يمكن للعقل الاستقلال بادراك أنها كمال يمدح صاحبه ، أو نقص يذم صاحبه ، وذلك بالنظر فيما يترتب عليها من المصالح والمفاسد البدنية ، أو النفسية الروحية . بل وجوب النظر بهذا المعنى ، لمعرفة ما فيه الصلاح والفساد ، ليحصل الأول ويجتنب الثاني ، مما جبل عليه نوع الانسان وفطر عليه . بل مطلق استحصال المعلومات . ومن ثمّ كانت حجج الأنبياء قائمة على المعاندين ، واندفع الأفحام عنهم ، إذ بهذا الوجوب المعلوم لديهم عقلًا يلزمون بالنظر في براهين النبوة ، وبالنظر في براهين النبوة يحصلون علم ما جاءت به النبوة من لسان النبوة ، بعد التصديق بها الحاصل بتلك البراهين . ومما جاءت به النبوة : أن النظر لمعرفة اللَّه تعالى واجب يثاب عليه ويعاقب عليه ، كما جاء في الشرع ، فلم يتوقف التصديق بالشرع على وجوب النظر بالشرع ، بل الوجوب العقلي ، بمعنى أن تحصيله كمال ، وتركه وبال ، كاف في التزام النظر . فاندفع ما قال المعتزلة من أن لو وجب النظر شرعاً ، للزم إفحام الأنبياء ، لتوقف العلم بوجوب النظر على ثبوت النبوة عند الناظر ، وثبوت النبوة عنده متوقف على
التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 270
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٢٧٠