فالحاصل : أنه لا دليل على امتناع اكتناه ذاته تعالى . وأما عدم وقوعه : فلأنه لم يصل إلينا ممن تقدمنا خبر بوقوعه لأحد . وهذا إنما يفيد عدم علمنا بالوقوع . بل في الأحاديث ما يدل على أنه لم يقع لنبينا ، وهو أكمل المخلوقات ، فعدم وقوعه لغيره أولى . فقد قال صلى اللَّه عليه وسلم : « سبحانك ما عرفناك حق معرفتك » . أشار ب ( السبحان ) إلى أن عدم المعرفة لغاية تنزهه وتقدسه عن ملائمات عالم الامكان . وقال : « تفكروا في آلاء اللَّه ومخلوقاته . ولا تفكروا في ذاته تعالى ، فإنكم لن تقدروا قدره » . أي إن تفكرتم في ذلك ، فما عظمتوه تعظيماً يليق بجنابه . وقال الصديق : « العجز عن درك الادراك إدراك » الدرك - بفتح الراء - القعر . والمراد به هنا : الغاية ، مجازاً . أي الاعتراف بالعجز عن بلوغ غاية ادراك الذات ادراك الذات بوجه تختص به ، وتمتاز به عن سائر الحقائق . وقد زاد المرتضى « 1 » على كلام الصديق : « والبحث عن سر الذات إشراك » ، أي البحث عن حقيقة الذات إشراك ، فان من طلب حقيقتها فقد ظنها ممكنة ، فكان معتقداً بألوهية ممكن ، لا واجب . وهذا كلام يدل على عدم وقوعه ، ويشير إلى عدم جوازه ، لكن بغير برهان . هذا تقرير ما للشارح . بقي لنا مع الشارح كلام . أولًا : قوله : ( لم أطلع على دليل من المانعين على ذلك ) . قد برهن الصوفية على ذلك ، بأن مرتبة الذات هي مرتبة ( لا بشرط شيء ) المنزهة عن كل قيد ، حتى عن قيد الاطلاق ، وهي مرتبة العماء والباهوت ، التي لا اسم فيها ، ولا رسم .
وكل ما أتى عليه التقييد فهو ممكن من الممكنات ، وتنزل من تنزلات الذات ، وما اكتنهته عقولنا فهو مما تصورت به نفوسنا ، فهو معرض لكثير من الاعتبارات والتقييدات ، فهو ممكن وليس بحقيقة الذات ، وهذا ضروري . وبغير ذلك .
هامش
( 1 ) - الشريف المرتضى : علي بن الحسين الموسوي [ 355 - 436 ه رئيس الشيعة الإمامية في عصره . وصاحب المؤلفات القيمة المختلفة ، في الكلام والفلسفة والأدب .