العين عند التحديق في جرم الشمس ، كدرة وظلمة - لتراكم الضياء وضعف الباصرة - تمنعها عن تمام الابصار ، كذلك يعتري العقل عند إرادة اكتناه ذات اللَّه تعالى أي ادراكها بالكنه حيرة ودهشة ، تمنعه عن اكتناهه . وهذا كلام خطابي ، لأن مقدماته من المتعارفات - لا الضروريات - ولأنه تمثيل يفيد التقريب ، دون اليقين بل شعري . لما فيه من التشبيه التخييلي ، المؤثر في النفوس ، الحاجب لها عن استطلاع الحقائق . وقد يذهب وهم واهم ، يستدل من طرف المانعين ، بأن ادراك الشيء إما أن يكون بالبداهة ، أو بالكسب . وما بالكسب إما أن يكون بالحد ، تامّاً ، أو ناقصاً ، أو بالرسم ، كذلك . وكل ذلك باطل ، فان حقيقته تعالى ليست ببديهية بالضرورة ، والرسم بأقسامه لا يفيد الكنه ، بل الوجه . والحد ممتنع ، لاحتياجه إلى الذاتيات ، والحق تعالى بسيط لا تركيب فيه بوجه . وهذا الاستدلال ضعيف . ووجه ضعفه ظاهر ، لأن الحد وإنّما يستلزم التركيب العقلي ، لا الخارجي ، والتركيب العقلي - في ذاته تعالى - لم يقم دليل على استحالته ، فالبساطة العقلية ليست بواجبة لذاته تعالى فيجوز أن يكون بسيطاً في الخارج ، مركباً في العقل ، فيحد بلا مانع . وقولكم : الرسم لا يفيد معرفة الكنه ، وإنما يفيد معرفة الوجه - لم يقم دليل على كليته ، وأنه لا يفيد الكنه في جميع المواد . ولم لا يجوز أن يكون تصور الشيء بالوجه مستلزماً لتصوره بالكنه ، بأن يكون بين وجه الشيء وحقيقته تعلق مخصوص ، بحيث يستلزم تصور أحدهما تصور الآخر . وقولكم : حقيقته تعالى ليست ببديهية ، غير مسلم ، فان عدم البداهة ، ان سلم بالنسبة إلى شخص لا يسلم إلى بقية الأشخاص . وعموم عدم البداهة يحتاج إلى دليل ، إذ ربما تقع بداهة اكتناه الذات لمن هذب نفسه بالعمل ، على الشريعة الصحيحة ، وجردها عن كدورات الأخلاق البشرية ، التي تقتضيها النشأة العنصرية ، وأزال عنها العوائق الجسمانية ، المانعة لها من دخول الحضرة القدسية .
التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 266
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٢٦٦