في كتابه [ مشكاة الأنوار : ( ترقى العارفون من حضيض المجاز ، ورؤية غير الموجود موجوداً ، إلى ذروة الحقيقة ، وشهود الحق الحقيقي ، فرأوا بالمشاهدة العيانية أن ليس في الوجود إلا اللَّه ) إلى آخر ما قال . قالوا : إن هذا حق لا يدرك بالعقول المتوسطة ، وهو وراء طور العقل ، لا يدركه سوى القديسين . ونحن نقول : إن من أصاب شيئاً من العقل ، فقد كان له أن يدرك هذا الحق ، وإنه لأقرب اليه من حبل الوريد . نعم يحتاج إلى أن يخلع عن نفسه قيد التقليد ، وأن يزيل عن عين قلبه قذى ما كان يعلم . وينظر في العالم بنظر جديد . فإن كان الاحتياج إلى عقل فوق المتوسط ، للقدرة على خلع المعهود ، ورفض المشهود ، وكشف النقاب ، وخرق عادات الحجاب ، فكأني أوافقهم على ذلك ، فان ذلك كذلك . وأن كان ذلك لنفس الادراك ، فلا . فتفطن لعلك بعد تجد صدق ما أقول . ولنرجع إلى ما كنا بصدده ، فليس في الآية - على هذين التفسيرين دليل على أن الهلاك سيقع . واكتفى بعض أصحابنا بجواز العدم ، دون وقوعه . وقد علمت مذهب الكرامية ، وأنه قريب من قول بعض أصحابنا ، أو هو هو . فقول الشارح ( وذهب الكرامية . . . الخ ) مقابل لقوله ( فقال بعضهم ) . فكان الأنسب أن يغير التعبير إلى قوله : ( وقال الكرامية لا يقع ) .
أو إلى قوله : ( وذهب الكرامية إلى أنه لا يقع ) . كذا ينبغي أن يقرر هذا المقام . ثمّ أقول : أن الحق المبرهن من الأقوال ، هو ما اقتصر عليه المصنف ، أي أن العالم قابل للفناء بنفسه . ثمّ انه هل هناك مانع من طرف الفاعل ، كإرادته ، أو علمه ، أن لا ينفني ؟ أو لا مانع منه ؟ وعليه : هل يقع ؟ أو لا يقع ؟ كل هذا في مجال النظر . من ادعى فيه شيئاً ، فعليه البيان . والمخالف في هذا الحكم - أي أن العالم قابل للفناء بالمعنى الذي سمعته - هم القائلون بأن شيئاً : لا يوجد من العدم الصرف . ولا يؤول إليه ، وأن الفناء في الهيئات والتراكيب . وهم الطبيعيون ، وقوم آخرون . فاحفظ هذا . ولا تلتفت لما شوش به هنا . * * *
التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 263
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٢٦٣