تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 262

مساهمون:

ص٢٦٢
ليس له شائبة الوجود بوجه ، فوجوده انما هو بايجاد موجده ، فهو في نفسه لا ينفك عن العدم لنفسه . وليس الوجود الحقيقي ، والدوام الذاتي إلا للحق الواجب الوجود بذاته ، فكل شيء سواه ، فهو هالك بذاته ، وانما يقوم وجوده به ، ومن ثمّ قال حجة الإسلام الغزالي - في كتابه [ احياء العلوم : ( الممكن في حد ذاته هالك دائماً ) كأنه نزل ما وجوده من غيره منزلة الهالك الذي لم يشم رائحة الوجود . وأيضاً قد برهن أهل التحقيق من الصوفية ، على أن لا تعدد في الوجود الحقيقي وأنه ليس إلا وجود الواجب ، وكل ما في الكون فهو اعتبار من اعتبارات هذا الوجود الواحد الواجب ، وتنزل من تنزلاته . وهي المسألة المعبر عنها عندهم ب ( وحدة الوجود ) . وقد بيناه بعض البيان في رسالتنا ( الواردات ) على مذهبهم ، فانظره . وهذا المذهب ليس بينه وبين مذهب السوفسطائية نسبة المشابهة ، حتى نشتغل بالتفرقة بينهما . بل انما الناظرون في هذا المذهب لما أخذوه الفاظاً مجردة عن مدلولاتها التي جرى فيها التخاطب بين أهلها ، واخترعوا لها مدلولات من عند أنفسهم ، حدث في أوهامهم شبه ترد على ما اخترعوا ، فأخذوا في الدفاع عنه بما لا ينفعه لو كان الأمر كما زعموا . فعلى هذا كل شيء سوى الواجب هالك حقيقة ، لا وجود له ، فان الوجود انما هو لمن له الوجود بذاته ، بأن يكون هو عين الوجود . واطلاق موجود وله الوجود ، تجريد على رأي ، أو هو ما انتزع الوجود من نفس ذاته ، على آخر . وغير الواجب ، على هذا ، ليس هو الوجود ، إذ الوجود هو الواجب ليس غير ، ولا الوجود منتزعاً من نفس ذاته ، إذ لا ذات له بالحقيقة ، بل غير الواجب أمور لها تعلق بذات الواجب ، ولا وجود لها بالحقيقة . ولا معنى للهلاك إلا محق الوجود ، فكل شيء سوى الحق الواجب فهو هالك ازلًا وأبداً ، لم يشم ، ولن يشم رائحة الوجود لذاته . وإنما يسمى موجوداً عند اعتبار نسبته إلى الواجب . فالواجب هو الموجود ، وكل ما سواه مفقود . وهذا معنى قول أهل التحقيق : ان الأعيان ما شمت رائحة الوجود . ومن هنا قال الامام المذكور « 1 »
هامش
( 1 ) - أي الإمام الغزالي .