رجع معنى الإفادة إلى إخراج الممكن من العلم إلى الوجود . والاخراج من العدم يستدعي سبق العدم ، فما من ممكن ومعلول إلا وقد سبق وجوده عدمه ، سبقية لا تجتمع مع المسبوقية ، إذ لو اجتمعا للزم كونه مخرجاً من العدم في حال كونه لم يكن فيه ، أي في حال وجوده ، وهو تحصيل الحاصل المحال . والحاصل : أن البداهة شاهدة بأن إعطاء شيء لشيء ، في آن كون ذلك الشيء حاصلًا للمعطى له ، انما هو تحصيل حاصل ، بل لا بد أن يتحقق حال للمعطى له ، لم يكن له المعطي ، حتى يتصور إعطاء . وهذا ظاهر . فقد ثبتت كلية المقدمة القائلة : العالم حادث . وهو المطلوب . نعم لو ذهبوا إلى أن حقائق الكائنات ليست ذوات مستقلة بالوجود ، حتى تعد من المباينات ، وأن المعلول والعلة ليس المحقق منهما ما هو الظاهر ، لدى النظر الجلي ، بل حقيقتهما : حق سابق ، وشهود لاحق . وأن شمس الوجود واحد ، والكثرة اشراق ذلك الواحد ، لا يسوغ للعقل الحكم بأنها مباينة لتلك الحقيقة ، ولا بأنها ذات تلك الحقيقة ، بل هي بذاتها تلك الحقيقة ، وبشهودها تباينها . وبالجملة : ليس في عالم الوجود إلا حقيقة واحدة فقط ، والتعدد والكثرة أعدام ونسب تعتبر إلى تلك الحقيقة ، وأنه لا عدم ولا وجود ، ولكن حق ثابت في النزول والصعود ، وليس إلا نور اللَّه الظاهر ، وسره الباطن . لكان ذلك قولًا تنبو عن لوازمه شكوك المشككين ، وتقف عنده أفهام الناظرين . ولكن هذا طور فوق الأطوار ، وسر عليه من الأنوار أستار . ولم يحوموا حوله ، حيث استمسكوا بحبل المعلول والعلة . واعلم أني وان كنت قد برهنت على حدوث العالم ، وحققت الحق فيه ، على حسب ما أدى اليه فكري ، ووقفني عليه نظري ، فلا أقول بأن القائلين بالقدم قد كفروا بمذهبهم هذا ، وأنكروا به ضرورياً من الدين القويم . وإنما أقول انهم قد أخطئوا في نظرهم ، ولم يسددوا مقدمات أفكارهم . ومن المعلوم أن من سلك
التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 259
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٢٥٩