ذلك المفهوم فقط ، وإلا فنحن نعلم مفهوم الممكن - أي أن هذا المفهوم حاضر في أذهاننا - فهل يقال : اننا نعلم جميع الممكنات بمجرد تصورنا لمفهوم الممكن ؟ ولو صح ذلك ، فقد استوى علمه وعلمنا من هذه الجهة ، وزدنا عليه تفاصيل كثيرة ، فان لدينا من التفاصيل ما ليس عنده على هذا الرأي . فيلزم أن يكون الواجب تعالى عالماً بالأشياء على وجه لا يضر الجهل به ، وغيره عالم بحقائق الأشياء ولوازمها على ما هي عليه . فان العالم بشيء من وجه في الحقيقة ، ليس عالماً إلا بذلك الوجه ، وسائر الوجوه لديه مجهول . وان كان الثاني فلا يفيده في التخلص من التسلسل ، فان مجموع الصور غير المتناهية ، مشتمل على أجزائه ، وهي تلك الصور بالضرورة ، فهي وإن لم تكن ملتفتاً إليها بالذات ، فهي حاضرة عنده بأسرها في الواقع ، وقع الالتفات أم لا .
والعدد يعرضها من حيث ذاتها ، فيجرى ، فيها البرهان ، فتكون المعلومات متناهية ، أو ينتقض البرهان . وأيضاً يلزم جهل الواجب - عز اسمه - بتفاصيل الأجزاء والجزئيات ، وعدم التفاته إليها ، وذلك مما يجب تنزيهه تعالى عنه . فإن كان يريد من الصورة الاجمالية غير ذلك ، فليبينه حتى نتكلم معه فيه ، وإن كان أراد بقوله المذكور - أي أن علمه تعالى واحد بسيط - ما صرح به هو في بعض رسائله - نقلًا عن الحكماء - حيث قال : ( الذي يشبه أن يكون مذهب الحكماء هو أن ذاته تعالى علم بذاته ، وعلم بمعلولاته إجمالًا ، فعلمه علم بذاته ، باعتبار ، وبمعلولاته باعتبار آخر ، والحيثية الأولى ، علة للحيثية الثانية ، فعلمه بذاته - من حيث إنه علمه بذاته - علة لعلمه بغيره ، وكما أن العلم الاجمالي فينا مبدأ للعلم التفصيلي ، كذلك العلم الإلهي الاجمالي ، مبدأ للصور التفصيلية ، في الخارج ، وفي المدارك السفلانية ، والنفسانية ) انتهى . وذكر غيره عن الحكماء أيضاً ، حيث قالوا : ( العلم بالعلة يستلزم العلم
التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 251
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٢٥١