البسيط ، علماً بالفعل ، لما صح كونه مبدأ للتفاصيل ، فان التفاصيل إنما تنشأ بعد العلم بها ، فما نشأت عن المبادئ إلا بعد علمها بها ، وليس لها إلا الاجمالي ، فهو علم بها بالفعل ، ولكونه مبدأ للصور بحيث لا تنشأ الصور إلا بعده ، سموه ( خلاقاً للصور ) ، وإلا فالقائم هو به ، هو ( الخلاق ) لا هو . وهذا التعقل البسيط إن كان وصفاً لنا ، فهو الذي يسميه الحكماء ( عقلًا مستفاداً ) ، الذي هو في المرتبة الرابعة من مراتب النفس ، لأنه مستفاد من المبادئ العالية ، لقبولنا واستعدادنا ، وإفاضتها علينا ، وإشراقها . ثمّ التفصيل يقع في النفس ، من حيث هي نفس - أي مدبرة للبدن متعلقة به - فالعلم يفاض عليها إجمالياً ، وبتنزله إلى قواها المقتضية للتفصيل يكون تفصيلياً . فليس يبعد منك أن تقول على سبيل التجوز : العلم الاجمالي فينا ، خلاق للصور التفصيلية المتمايزة في أذهاننا . هذا تقرير ما للشارح في هذا المقام ، على وجه لائق . بقي لنا مع الشارح كلام فيما اختاره ، فاسمع قوله : ( إن علم الباري تعالى واحد بسيط ليس بصور مفصلة ) ، إن كان أراد به أنه بصورة واحدة إجمالية . مشتملة على الصور المفصلة ، كما يرشد إليه كلامهم في العلم الاجمالي ، وأنه علم بالفعل ويفيده كلامه ، فيما يأتي فنقول : ما كنه هذه الصورة التي اشتملت على جميع الصور ؟ هل هي مفهوم كلي يشمل جميع المفاهيم ؟ كمفهوم الممكن ، أو مفهوم العالم ، أو ما يشبه ذلك من المفاهيم الشاملة ، بحيث يكون ذلك المفهوم حاضراً عنده ، حاكياً كل ما تحته بكليته الاجمالية ؟ أو هي مجموع صور المعلومات ، من حيث هي مجموع ، بحيث تكون جميع الصور حاضرة عنده ، ولكنه يعلمها بهيئتها الاجتماعية ، لا بصورها التفصيلية ؟ فإن كان الأول فالعالم بمفهوم واحد فقط ، لا يصح أن يقال : إنه عالم بجميع ما اشتمله هذا المفهوم بالفعل من كل وجه ، بل يقال : إنه علم جميع ما اشتمله بوجه
التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 250
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٢٥٠