تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
بصفة ، هي مبدأ لأن ينكشف له المعلوم ، بعد التعلق ، لا يكفي في كونه عالماً بذلك المعلوم ، بل لا بد من التعلق . وهذا من أحكام الضرورة أيضاً . وإذا كان التعلق حادثاً ، كان علم الواجب بالأشياء حادثاً ، فيكون الواجب تعالى غير عالم بالممكنات أزلًا ، وإنما يعلمها عند حدوثها . وهذا قول قال به أبو الحسين البصري من المعتزلة ، وتبعه السلف والخلف ، ورمى به البرهان في وجه قائله ، فان البرهان قد قام على أن الواجب تعالى عالم بالأشياء أزلًا وأبداً . فما أجابوا به والتجأوا فيه إلى مثل هذا القول ، فرار من محال ، ووقوع في أشنع منه . واعلم أن تميز شيء عن شيء إنما يكون باختصاص أحدهما بما ليس للآخر . إذ لو لم يكونوا أصلًا ، أو كان لكل تمام ما للآخر ، لم يكن امتياز ، إذ على الثاني هما عينان لا غيران ، وعلى الأول لا موضوع حتى يقع وصف التمايز عليه ، فمن المحال تمايز الحقائق حتى تنحو نحواً من التحقق ، وليس لنا الا : الخارج ، والذهن ، فما لا تحقق له فيهما ، لا تميز له ، فلا يتعلق به العلم ، فان العلم انكشاف أو يستلزمه ، فيطلب منكشفاً ، وكيف يكون منكشفاً وهو تحت أستار بحت العدم ، وفي خفاء محو امتيازه عن غيره ؟ وإن القول بأن للمعدومات الممكنة ثبوتاً في الخارج ، وإن لم يكن وجوداً ، أو بأن للمعلومات صوراً لازمة لذات الواجب ، وإن لم تكن مساوية للممكنات في الحقائق النوعية ، لا ينفع في الجواب ، لجريان البرهان في الثابتات ، وصور المعلومات ، ويلزم أحد المحذورين . وإن المكابرة القائلة : لا يستحيل تعلق العلم بالمعدوم الصرف ، وان الاستحالة موردها غير التعلق العلمي ، ناشئة عن الجهل وارتكاب سبيل السفسطة ، فان من البديهي ، أن العلم إنما هو ما يستلزم حضور المعلوم عند العالم ، بأي نحو من الحضور ، وإن بوجه ، على التفاوت في العلم ، سواء كان بذاته أو بمثاله ، فإن لم يكن المعلوم حاضراً لدى العالم ، بنحو من الانحاء أصلًا ، ومع ذلك قيل : إنه معلوم ، فقد قيل : إنه معلوم ومجهول ، أو حاضر وغير حاضر . والعجب . . ! !
التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 248 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده / سيد هادي خسروشاهي