لا يتصور له كل ولا جزء ، ولا مساواة ولا غيرها ، بالضرورة . وإذ كانت الأمور المتعاقبة بجملتها غير موجودة أصلًا ، ولا بنحو من الوجود حين التطبيق ، فكيف يسوغ للعقل أن يحكم بالتطبيق ؟ ، أو بمساواة الكل للجزء ؟ ، أو الناقص للزائد ؟ وما ينحو نحوه ؟ مع أنه لا شيء حينئذ حتى يقال : كل وجزء ، وزيادة ونقصان ، إن هذا إلا الخلف « 1 » . قلت : نعم إنها من حيث هي جملة ليست بموجودة في الخارج ، في آن واحد على أنها كذلك ، لكنها وإن لم تكن كذلك ، فقد شمت رائحة الوجود بأسرها ، غايته على سبيل التعاقب ، فإن العقل حاكم على الزمان ، على فرض وجوده ، بأنه شيء واحد موجود ، أزلًا وأبداً ، وإن لم تكن جميع أجزائه مجتمعة في الوجود . وهذه الحوادث المتعاقبة بجميعها ، قد وجدت في جميع الأزمنة ، يعني أن كل حادث منها ، قد وجد في جزء يحاذيه من أجزاء الزمان ، والجميع موجود في الجميع . وليس المراد أن الجميع ، بما هو جميع ، موجود كذلك في كل جزء من أجزاء الزمان ، فهذا نحو من الوجود للجميع يحقق له الاتصاف بالأوصاف الوجودية ، من حيث هو كذلك ، فان وجود الشيء الموجب لأن يتصف ذلك الشيء بالأوصاف الوجودية ، ليس خاصاً بالوجود على أن تكون جميع أجزائه مجتمعة في آن . بل الوجود على انحاء شتى : فقد يكون على سبيل اجتماع الأجزاء ، وقد يكون على تعاقبها ، كالحركة لا تجتمع أجزاؤها في الوجود ، وهي مع ذلك يحكم عليها بالانطباق على الزمان ، وعلى المسافة ، وبأنها كل ، وأن جزءها جزء ، إلى غير ذلك من الأوصاف الوجودية . وحاصل الكلام أن الأوصاف الوجودية تعرض للموصوف عند وروده في العقل على النحو الذي كان له به الوجود . فجريان البرهان في المتعاقبات حق ، وهو على ما سبق يستلزم أن لا تتحقق المتعاقبات غير متناهية على أي نحو من الوجود .
هامش
( 1 ) - برهان الخلف هو الدال على إبطال قضية استناداً إلى فساد النتيجة اللازمة منها . ويطلق الخلف على ما ينافي المنطق ويخالف المعقول . والخلف أعم من التناقض وأخص من الخطأ .