وجه كان . فيقول : إن كان تجويزهم التسلسل في الأمور المتعاقبة وهما منهم أن البرهان لا يجري في المتعاقب ، لعدم إمكان التطبيق ، فقد ظهر فساده بما تقدم ، حيث قلنا : إن التطبيق لا يتوقف على وجود الأمور مجتمعة ، لما أن التطبيق عقلي تخيلي ، لا خارجي تفصيلي . وإن كان ذلك - أي تجويزهم التسلسل في المتعاقب - لأن السلسلة غير المتناهية غير موجودة في صورة المتعاقب ، فالمدعي ثابت عند الفريقين ، فان الحكيم قائل : لا يمكن أن توجد سلسلة غير متناهية ، والمتكلم ذاهب إليه أيضاً . فان جرى البرهان في الأمور المتعاقبة ، فنتيجته أن غير المتناهي محال ، أي لا يمكن أن يكون في عالم الوجود ، وقد صدق في المتعاقب ، فإنه غير موجود ، فالدليل جار ، والمقتضي غير متخلف ، وتعاقب الأمور إلى غير النهاية ، مع عدم وجودها ، غير مناف لمقتضى الدليل ، فان الدليل يقتضي - كما علمت - أنه لا يمكن وجود سلسلة غير متناهية ، وإلا استلزم محالًا . والحاصل : أنهم أرادوا - على هذا - أن الدليل غاية ما يدل ، يدل على امتناع سلسلة غير متناهية ، أي امتناع وجود سلسلة غير متناهية ، فان أجرى في المتعاقب أنتج أن السلسلة غير موجودة ، ويستحيل أن توجد ، وهي غير متناهية ، فلا منافاة بين جواز تعاقب ما لا يتناهى ، وبين جريان البرهان فيه ، إذ مع جريانه فيه ، لم تتخلف نتيجته ، وهي عدم وجود ما لا يتناهى ، وهي في المتعاقب ، كما هي . فيرد عليهم - على هذا التقدير - أن مقتضى الدليل أن لا تكون سلسلة غير متناهية أصلًا ، لا متعاقبة ولا مجتمعة ، لما علمت أنه لو فرض وجود سلسلة متعاقبة غير متناهية ، لجرى فيها التطبيق ، وسيق البرهان ، فيلزم إما أن تقف إلى حد ، وإما أن يكون كلها مساوياً لجزئها ، ووقوفها عند حد خلاف الفرض ، ومستلزم للمطلوب ، ومساواة الكل للجزء محال ، على أي نحو فرض . إن قلت : كأني أرى الكلية ، والجزئية ، والمساواة ، والوقوف ، وعدم الوقوف وما يشبه ذلك ، إنما هي من أوصاف الأمور الوجودية ، حيث أن العدم البحت
التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 218
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٢١٨