13 - الثاني : باختيار الشق الثاني ، وهو أنه لم يكن جميع ما لا بد منه في وجوده متحققاً في الأزل . . . الخ ) . أقول : الشق الثاني من الدليل المتقدم هو : أنه لم يتحقق في الأزل جميع ما لابد منه في وجود الممكن ، بل : كان بعضه موجوداً دون الآخر ، أو لم يكن شيئاً موجوداً . وعلى كلا الحالين يلزم إذا حدث الممكن : إما وجوده بدون تمام علته ، إن لم يحصل للعلة سوى ما كان ، أو يلزم التسلسل ، إن حدث ما به تتم العلة ، بنقل الكلام إليه . - 5 - ( بقي على هذا المجيب أن يقال : من العجب أن يجعل تحقق أحد النقيضين ، مما له دخل في تحقق الآخر ، وأنى ذلك ؟ وانما يكون الشرط شرطاً لملاءمة ما بينه وبين وجود ما هو شرط له ومنافرة بين نقيضه وبين ذلك المشروط . والمانع مانعاً لمنافرة ما بينه وبين وجود ما هو مانع منه ، وملاءمة بين نقيضه وبين وجود ذلك الممنوع ، لاستحالة منافرة الشيء لنقيضين ، أو ملاءمته لهما ، وإلا لجاز سلبهما عنه ، واثباتهما له ، وهل كان عدم المُعِد مما يتوقف عليه المُعَد ، إلا لملاءمة تامة ، بين ذلك العدم وهذا المعد . بحيث لا يمكن أن يفترقا . ولا يجوز الوهم - فضلًا عن العقل - أن يكون وجود نفس المعد علة لعدمه ، أو له دخل فيه ، كما هو ظاهر . فما كانت المدخلية والتوقف إلا لملاءمة ما بين المتوقف والمتوقف عليه . ولو تحقق ذلك في عدم الشيء السابق على وجوده ، بالنسبة إلى وجوده ، لكان العدم ملائماً للوجود ، منافراً له ، هذا خلف ، ضرورة أن سلب الشيء ، لا يلائم نفس الشيء بحال ، فشرطية عدمه لوجوده من الأباطيل . نعم قد يكون ذلك لما يقع في حال العدم من مقربات لم تكن ، وهو خلاف فرضك . ألا وأن العقل الصريح / ونحن نقول : سلمنا لكم أن ماهية الامكان لا تنافي الأزلية ، وان ماهية العلية والمعلولية قد تتحقق مع كون كل أزليا ، لكن لا نسلم أن مصاحبة المعلول للعلة في الزمان مطردة في جميع العلل والمعلولات . بل من العلل ما يقتضي صدور المعلول على وجه بحيث يكون معه ، ومنها ما يقتضيه على وجه التأخير ، فحينئذ لا يكون إلا متأخراً . فان أردتم من العلة ما هو المعنى الأول ، فنختار هذا الشق الثاني ، أي أنه لم يكن جميع ما لا بدّ منه ، بهذا المعنى ، حاصلًا في الأزل ، إذ من جملة ما لا بدّ منه ، بهذا المعني ، تعلق الإرادة بوجوده في الأزل ، ونحن نمنع تعلقها بهذا الوجود الأزلي ، ومع ذلك لا يلزم أحد المحالين ، إذ العلة مختارة لا موجبة ، ولا ريب أنه يمتنع صدور شيء عن المختار ، ما لم تتعلق إرادته بوجوده ، فيصدر على الوجه الذي اراده ، من صفة ووقت . فيجوز أن تكون الإرادة قد تعلّقت بالوجود اللاأزلي ، فيمتنع وجوده أزلًا . ثمّ إنه لا يحتاج إلى حادث آخر عند الوجود سوى هذا - / حاكم بأن ذات المعلوم تطلب ذات العلة ، فان استحكم الطلب ، وتم المصدر ، كانت الذات عن الذات بدون مبالاة بما يلحظ من عدم ، أو بأن لا يكون ذلك . كيف . . . ؟ وقد نبه الشيخ الرئيس على أنه بعد وجود الممكن ، قد يمكن لنا أن ننتزع من نسبته إلى الواجب امتداداً موهوماً ، قد كان فيه معدوماً ، وكان يجوز أن يوجد في كل جزء منه . وعند فرض وجوده في جزء ينتزع قبله مثل هذا الامتداد ، وهكذا إلى غير النهاية . فما كان في جزء أحق بالوجود منه في جزء آخر . والفرض أن لم يحدث شيء سوى ما كان في الأزل ، فيكون ترجيحاً بلا مرجح ، فلا بد أن يسبقه عدم ، إلا لفرض عدم تمام العلة ، وهو خارج عن طور اختيار الشق الأول الذي كلامنا فيه ، بل ذلك يكون باختيار الشق الثاني والكلام فيه باق . ولنعد معك الكلام ثالثة ، فنقول : لو كان وجود الممكن موقوفاً على عدمه ، لكان معناه أنه لو لم يكن عدمه لم يكن وجوده ، إذ حقيقة التوقف أنه لو لم يكن المتوقف عليه لم يكن المتوقف . مع أنه لم يكن عدمه لكان وجوده ، إذ سلب العدم وجود . إن هذا إلا خلف . وبالجملة : إن العمدة في عدم جواز ذلك هو أن عدم الممكن مباين له بالمرة ، بحكم البداهة ، وأنت لا تنكره . ولو صح أن يكون للمباين دخل في وجود مباينه ، وجميع المباينات مستوية النسبة إلى مباين ما ، فيلزم أن يكون لكل مباين دخل في تحقق أي مباين ، وهو خلاف البديهة عقلًا وحساً . فالنسب : بين ماله دخل في شيء وبين ذلك الشيء . لا بد أن تكون نسبة
المباينة التامة والمنافرة ، ولا شيء أبعد عن الشيء من نقيضه ) . عبده . التعلق الأزلي بالوجود اللاأزلي .
التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 182
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٨٢