وأما ما يقال : من أن الامكان من الأوصاف الانتزاعية العقلية ، فلا يحتاج إلى موضوع خارجي . فجوابه : أنه ليس اختراعاً محضاً ، بل له منشأ الانتزاع في الخارج . فمنشأ انتزاعه ، هو موضوعه ، كما يقال في التقابل والتضايف ، ثمّ إن صاحب [ المحاكمات « 1 » قد بين الدعوى التي قال الشيخ إنها غير بينة ، أي أن المعدات غير المتناهية لا بد أن تهيئ مادة ، حيث قال : إن تأخر فيض العلة إما أن يكون لنقص فيها ، أو لنقص في القابل . والنقص في العلة محال ، فإن مبدأ كل فيض هو واجب الوجود ، وهو مبرأ عن كل نقص ، فوجب النظر في حال الممكن القابل للفيض من ذلك المبدأ . فذلك الممكن حادث إما أن يكون امكانه الذاتي كافياً في فيضان وجوده عن المبدأ أولا . فإن كان كافياً ، يلزم قدم الحادث ، وهو محال . وإن لم يكن ، بل توقف فيضانه على شرط فذلك الشرط اما ان يكون قديماً أو محدثاً لا سبيل إلى الأول وإلا لزم قدم الحادث ، لتمام علته بالشرط القديم ، والشرط المحدث يتوقف أيضاً على شرط آخر محدث ، وهكذا إلى غير النهاية . ثمّ إن وجود الحادث إما أن يتوقف على وجوده هذه الشروط مجتمعة ، وهو محال ، للزوم التسلسل المستحيل حينئذ ، أو على عدمها ، فإما أن يكون مطلق العدم ، وهو أيضاً محال ، وإلا لزم قدم الحادث ، لتحقق مطلق العدم في العدم السابق ، أو عدمها اللاحق ، فتكون معدات ، فكل شرط يكون معدّاً ، إذ لا نعني بالمعد إلا ما يكون الشيء موقوفاً على عدمه اللاحق لوجوده ، كالخطوات للوصول إلى ما يقرب من المكان ، قصد الوصول إليه ، بأن يكون فيه بعد ان لم يكن فيه . فإنه لا يمكن ذلك إلا بعدم كل خطوة بعد وجودها . فهذه الشروط المتسلسلة ، كلما تتنازل تقرب وجود الحادث إلى إفاضة العلة . فلا بد أن يحدث بحسب حدوث كل شرط شرط ، حالة مقربة للحادث ، إلى ايجاد
هامش
( 1 ) - هو قطب الدين محمد بن محمد الرازي [ 766 ه . . والمحاكمات هو شرح جعله حكماً بين الفخر الرازي ونصير الدين الطوسي في شرحيهما الإشارات .