فعلى هذا المنوال يكون نسجه ، فيبوء من الله برضوان ، حيث أسّس عقائده على السديد من البراهين ، واستقبل الأخبار الإلهية بالقبول والتسليم ، وتناولها بقلب سليم . وإن أراد التأويل لغرض : كدفع معاند ، أو إقناع جاحد ، فلا بأس عليه ، إذا سلم برهانه من التقليد والتشويش ، وهذا هو دأب مشايخنا ، كالشيخ الأشعري ، والشيخ أبي منصور ، ومن ماثلهم ، لا يأخذون قولًا حتى يسدّدوه ببراهينهم القوية ، على حسب طاقتهم ، وهذا هو ما يعني باسم : « السني » ، و « الصوفي » ، و « الحكيم » . وكل متحزب مجادل ، فإنما يبغي العنت وتشتيت الكلمة ، فهو في النار ، وكل مقصر فعليه العار والشنار ، فاسلك سبيل السلف ، واحذر فقد خلف من بعدهم خلف . ولا بد في كمال النجاة ، ونيل السعادة الأبدية ، من أن ينضم إلى ذلك التخلي عن الرذائل ، والتحلي بالأخلاق الكاملة ، والأعمال الفاضلة ، وثمن تلك الأخلاق والأعمال تكميل قوة النظر ، وارتكاب طريق العدل في كل شيء ، إذ لا ريب في أن كل من خالف ما كان عليه النبي وأصحابه من الهمة ، والسداد ، والعدل ، والانصاف ، وسلوك طريق الاستقامة في جميع الأخلاق والأعمال ، ونور البصيرة فيما يؤخذ ويعطى ، فهو في النار ، أو يطّهّر . ومن كان على من كانوا عليه فهو في أعلى غرف الجنان . وسالك هذا الطريق : إما أن يكون سلوكه من قبل الالتفات إلى ما جاء في الكتاب والسنة ، وكلام أولي الفضل من الراشدين قديماً وحديثاً ، فذلك هو الحكيم العملي ، والمؤمن المتوسط . وإما أن يكون ، مع ذلك ، قد سلك بنفسه مدارج الأنوار ، ووقف على ما في ذلك من دقائق الأسرار ، حتى جلس في حياته هذه في مقعد صدق عند مليك مقتدر ، فهو الصوفي ، وهو صاحب المقصد الأسنى ، والمطلوب الأعلى ، وفي هذا مراتب لا تحصى ، ومراق لا تستقصى ، وهذا وما قبله يشملهما اسم المؤمن الصادق . فمن تحقق بهذا النور ، فله النجاة والحبور ، كان من كان ، فإن هذا هو المتحقق فيه ما كان النبي عليه وأصحابه . ولنمسك القلم حيث أن المقصود هو الايجاز ، والله أعلم بالصواب ، وإليه المرجع والمآب ، فاسلك بنفسك طريق السداد ، وانظر فيما يكون لك بعين الرشاد .
التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 165
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٦٥