بعض الطوائف غير كافر ، وانما هو فاسق . بل يجب أن يحكموا بأن كل ما خالف الواقع فهو كفر . فكل فرقة لا بد أن تحكم بكفر الأخرى ، وإن لم يكن ما يخالف الواقع في زعمهم ، مخالفاً للواقع في نفس الأمر ، أو لم يكن من النقص في شيء ، فلا وجه لتفسيق المخالف ، والحكم بأنه في النار . ورابعاً : إنا لا نجد طائفة منهم متّفقة على كلمة واحدة ، بل أصحاب كل رئيس يخالفونه في آرائه إلى آراء آخر . فان كانت مخالفة المعتقد تعد كفراً ، أو فسقاً ، بالنسبة إليه ، فمرتكبها كافر أو فاسق ، وإن كان من حزبه . فما بالهم يفرقون بين مخالفة ومخالفة ؟ ! كتفرقة أصحابنا بين خلاف الأشاعرة مع الماتريدية ، وبين خلافهم مع بقية الفرق وكذلك ما نراه في غيرنا من سائر الفرق ، مع أنه ربما كان الخلاف في مسألة هي من الأمهات ، كقول إمام الحرمين « 1 » من أصحابنا ، في بحث الأفعال : إن الفعل يستند إلى قدرة العبد ، والقدرة إلى سبب آخر ، وهكذا إلى أن تنتهي إلى مسبب الأسباب ، وقد برهن على ذلك . وإن هذا الأمر ينسبونه إلى الحكماء ، في ظاهر قولهم . وغير ذلك كثير فاش . في جميع الفرق ، لا يكاد يحصر .
بل خلاف الأشعري مع الماتريدي ، فيما يزيد عن ثلاثين أصلًا ، وربما لا يتحقق هذا المقدار بينه وبين الفيلسوف مثلًا .
فكيف أغضينا النظر عن هذا النزاع ، وحدقناه إلى نزاع آخر ليس بالمفيد ؟ فكان من الواجب أن يحكموا حكماً عاماً :
إما بالتفسيق ، وإما بعدمه ، بدون تدليس . وخامساً : قد أجمع أهل التحقيق من كل طائفة ، خصوصاً الشيخ الأشعري ، على أن : المقلّد في أصول دينه ، ليس بمستيقن . وكل من ليس بمستيقن ، في الأصول . فهو على ريب فيها ، وكل من كان كذلك فهو كافر . أما الكبرى : فظاهرة .
وأما الصغرى : فقد أقمنا عليها برهاناً حاصله : أن المقلّد إما أن يعلم حقية ما عليه مقلده ، أم لا . الثاني : يستلزم المطلوب ، فإنه إذا لم يعلم حقية ما عليه
هامش
( 1 ) - أبو المعالي الجويني [ 1028 - 1085 م من أئمة الأشعرية ، نشأ بنيسابور . وله مؤلفات في الكلام والأصول .