تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
مقلده فهو متردد فيه ، إذ ليس بعد العلم : إلا التردد ، أو الجزم بالنقيض . وعلى الأول : إما أن يعلم الحقية ، بنظره ، أو بتقليد آخر . على الثاني : ننقل الكلام إليه ، ويتسلسل . وعلى الأول : قد صار مجتهداً ، ناظراً ، لا مقلداً ، وهو خلاف المفروض . وليس بطلان التسلسل هاهنا لما يبرهنون عليه ، بل لاستلزامه عدم العلم ، إذ لم يصل إلى ما به يعلم ، فإذن كل مقلد فليس بمستيقن . بل ذلك يجده كل أحد ، فإن كثيراً من الصلحاء الذين يدعون التدين تأتيهم الشكوك من بين أيديهم ومن خلفهم ، ويزيلونها عنهم بالإعراض والاشتغال بأفكار أُخر ، لكن ذلك لا ينفعهم ، فإنه قد وقر في نفوسهم الزيغ ، فإذا تعطّلت الحواس بدا لهم ما كانوا يخفون ، وهو سوء الخاتمة ، والعياذ بالله تعالى . فليحذر الراغب إلى الله تعالى من أمثال هذه الورطات التي يزيّنها لديه شيطانه ، بل يجب عليه أنه كلما عرض له أمر ذهب خلفه ، فإن كان حقّاً تبعه ، وإن كان باطلًا دفعه . فإن كان التقليد كفراً عندهم ، كما هو الواقع ، فكيف يصح منهم الإلجاء إلى قضايا خاصة ، تواطئوا عليها ، وتعارفوها فيما بينهم ، ويزعمون أن هذا هو الحق الواقع ؟ ! كلا ! بل كان ذلك تعصباً من أتباع كل رئيس ، وأخذاً بطريق اللجاج والعنت . والحق الذي يرشد اليه الشرع والعقل : أن يذهب الناظر المتدين إلى إقامة البراهين الصحيحة على إثبات صانع واجب الوجود ، ثمّ منه إلى إثبات النبوات ، ثمّ يأخذ كل ما جاءت به النبوات بالتصديق والتسليم بدون فحص فيما تكنه الألفاظ ، إلا فيما يتعلق بالأعمال ، على قدر الطاقة ، ثمّ يأخذ طريق التحقيق في تأسيس جميع عقائده ، بالبراهين الصحيحة ، كأن ما أدّت إليه ما كان ، لكن بغاية التحرّي والاجتهاد . ثمّ إذا فاء من فكره إلى ما جاء من عند ربه ، فوجده بظاهره ملائماً لما حقّقه ، فليحمد الله على ذلك ، وإلا فليطرق عن التأويل ، ويقول :
( آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا )
« 1 » . فإنه لا يعلم مراد الله ونبيّه إلا الله ونبيّه .
هامش
( 1 ) - آل عمران : 7 .
التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 164 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده / سيد هادي خسروشاهي