الناجية المذكورة في الحديث ، وكل مطمئن بما لديه ، وينادي نداء المحق لما هو عليه . والوقوف على حقيقة الحق في ذلك يكون من فضل الله تعالى وتوفيقه ، فإن للناظر أن يقول : يجوز أن تكون الفرقة الناجية الواقفة على ما كان عليه النبي وأصحابه قد جاءت وانقرضت ، وأن الباقي الآن من غير الناجية ، أو أن الفرق المرادة لصاحب الشريعة لم تبلغ الآن العدد ، وأن الناجية إلى الآن ما وجدت ، وستوجد ، أو أن جميع هذه الفرق ناجية ، حيث أن الكل مطابق لما كان عليه النبي وأصحابه ، من الأصول المعلومة لنا عنهم : كالألوهية ، والنبوة ، والمعاد ، وما وقع فيها من الخلاف فإنه لم يكن يعلم عنهم علم اليقين ، وإلا لما وقع فيه اختلاف ، وأن بقية الفرق ستوجد من بعد ، أو وجد منها بعض لم يعلم ، أو علم ، كمن يدعي ألوهية علي مثلًا ، كفرقة النصيرية « 1 » . وموجب هذا التردد أنه ما من فرقة إلا ويجدها الناظر فيها معضدة بكتاب وسنة وإجماع ، وما يشبه ذلك ، والنصوص فيها متعارضة من الأطراف . ومما يسرني ما جاء في حديث آخر : « أن الهالك منهم واحدة » . وبالجملة ، فتحقيق الفرقة الناجية ، من جهة الاعتقاد ، كما هو الموضوع ، على رأى هذه الفرق التي تدعي أن كلا منها الفرقة الناجية وأن غيرها الهالكة ، مشكل من وجوه : أولًا : إنا لم نعلم مما كان عليه النبي وأصحابه إلا : أن للعالم صانعاً في غاية الكمال ، مبرأ عن جميع النقائص ، وأنه عالم ، قادر ، مريد ، سميع ، بصير ، إلى غير ذلك من الصفات الكمالية . وأن المعاد حق . وأن النبي صادق فيما أخبر به . وهذا القدر أمر اتفق عليه جميع الفرق ، إلا أن يكون : وثنيّاً ، أو كتابيّاً متعصباً . فعلى هذا ليس المخالف لما كان عليه الا : جاحداً وجود الحق ، أو جاحداً كمالًا من كمالاته ، مع علمه بأنه كمال ، أو مكذباً النبي في شيء مما جاء به ، مع علمه بأنه قد جاء به . أما من كان مقصده الكمال والتنزيه ، والوقوف على الحق ، وصدق
هامش
( 1 ) - من الفرق الغالية . لاعتقادها بألوهيّة الإمام علي ( رضي الله عنه ) .