عثمان ؟ إن الوعد غير الوعيد . إن العرب لا تجد عيباً ولا خلفاً أن تعد شراً ، ثمّ لا تفعله ، بل ترى ذلك كرماً وفضلًا . وإنما الخلف أن تعد خيراً ، ثمّ لا تفعله . قال : فأرني هذا في العرب . قال : نعم ، أما سمعت قول الشاعر :
وإني وإن أوعدته أو وعدته * لمخلف إيعادى ، ومنجز موعدي
الذي ذكره أبو عمرو ، مذهب الكرام ، ومستحسن عند كل أحد ، خلف الوعيد ، كما قال السرى الموصلي :
إذا وعد السرّاء أنجز وعده * وإن أوعد الضرّاء فالعفو مانعه
ولقد أحسن يحيى بن معاذ في هذا المعنى ، حيث قال : « الوعد والوعيد حق ، فالوعد : حق العباد على الله تعال ، إذ ضمن لهم أنهم إذا فعلوا كذا أن يعطيهم كذا . ومن أولى بالوفاء ، من الله تعالى ؟ . والوعيد حقه تعالى على العباد ، إذا قال : لا تفعلوا كذا ، فإني أعذبكم ، ففعلوا ، فإن شاء عفا وإن شاء آخذ ؛ لأنه حقه تعالى . وأولاهما بربنا العفو والكرم ، لأنه غفور رحيم » انتهى بلفظه . وقيل : إن المحققين على خلافه ، كيف ؟ ! وهو تبديل للقول . وقد قال الله تعالى :
« ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ »
« 1 » . قلت : إن حملت آيات الوعيد على إنشاء التهذيب ، فلا خلف ، لأنه حينئذ ليس خبراً ، بحسب المعنى ، وإن حمل على الإخبار ، كما هو الظاهر ، فيمكن أن يقال بتخصيص الذنب المغفور من عمومات الوعيد بالدلائل المفصلة . ولا خلف على هذا التقدير أيضاً ، فلا يلزم تبديل القول . وأما إذا لم يقل بأحد هذين الوجهين ، فيشكل التقصي عن لزوم التبدل ، والكذب ، اللهم إلا أن تحمل آيات الوعيد على استحقاق ما أوعد
هامش
( 1 ) ق : 29 .