وكذا الثالث ؛ لأنه إن قيل بامتناع صدور خلافه عنه تعالى ، فهو ينافي ما صرح به في تعريفه ، من جواز الترك ، وإن لم يقل به . فإن معنى الوجوب حينئذ يكون محصله : أن الله تعالى لا يتركه ، على طريق جرى العادة . وذلك ليس من الوجوب في شيء ، بل يكون إطلاق الوجوب عليه مجرد اصطلاح . ( كاللطف ) : وهو ما يقرب العبد إلى الطاعة ، ويبعده عن المعصية ، بحيث لا يؤدى إلى إلجاء ، كبعثة الأنبياء . والمعتزلة أوجبوه عليه تعالى ، مستدلين بأن ترك اللطف يوجب نقض غرض التكليف ، فيكون اللطف واجباً ، وإلا لزم نقض الغرض ؛ لأن المكلّف إذا علم أن المكلّف لا يطيع إلا باللطف ، فلو كلفه بدونه ، يكون ناقضاً لغرضه . كمن دعا غيره إلى طعامه ، وهو يعلم أنه لا يجيب إلا بأن يستعمل معه نوعاً من التأدب ، فإذا لم يفعل الداعي ذلك التأدب كان ناقضاً لغرضه . وأنت خبير بأنه فرع على كون أفعاله تعالى معللة بالأغراض ، كما هو مذهبهم ، وهو باطل . وبعد التنزيل عن هذا المقام ، إنما يتمشى فيما يتوقف عليه الطاعة ، وترك المعصية ، وما يقرب من الطاعة ، ويبعد عن المعصية ، أعم من ذلك . ( والأصلح ) : ذهب معتزلة بغداد إلى وجوب الأصلح ، في الدين والدنيا ، عليه تعالى . ومعتزلة البصرة إلى وجوب الأصلح في الدين فقط . ومراد الفرقة الأولى بالأصلح : الأصلح في الحكمة والتدبير . ومراد الفرقة الثانية : الأنفع . ويرد عليهما : أن الأصلح بحال الكافر الفقير المبتلى بالآلام والأسقام ، أن لا يخلق ، أو يموت طفلًا ، أو يسلب عنه عقله بعد البلوغ ، ولم يفعل شيئاً من ذلك ، بل خلقه وأبقاه ، حتى فعل ما يوجب خلوده في النار ، وأن يكون إبقاء إبليس طول الزمان ، وإقداره على إضلال العباد ، أصلح له ، مع أنه يوجب مزيد عذابه . ولا يخفى أن مرادهم : الأصلح بالنسبة إلى الشخص ، لا بالنسبة إلى الكل ، من حيث الكل ، كما ذهب إليه الفلاسفة في نظام العالم . ولذلك سأل الأشعري أستاذه ، أبا على الجبائي ، عن ثلاثة إخوة : عاش أحدهم في الطاعة ، وأحدهم في
التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 100
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٠٠