مع وفد أتى آخر ليفسد على سابقه اتفاقه تارة بالطعن فيه وتارة بنقص الأجر عنه وتارة بتعهده بتقديم رهينة وكلهم لا يبغى من وراء ذلك الا أن يصاحبه الأمير فينتهب أمواله في الطريق ، وقد تزاحمت هذه الوفود أمام بيت الأمير كأنما هو حاكم المدينة وأخيرا أشار عليه كبير من كبراء الأشراف أن يوزع على مشايخ الطريق 2000 جنيه ان كانت معه ليسير في أمان واطمئنان وإن لم تكن معه فالأولى به أن يرافق المحمل المصري كما حضر معه ، فلما سمع تلك الإشارة عض بنان الندم على ما بذل من الهدايا النفيسة والمال الوافر لشريف مكة وواليها أملا في أن يكون مرعى الجانب مشمولا بحياطتهما حتى يصل إلى جدة ولكن خاب فأله ، فكلم محافظ المدينة في أمر سفره ورجاه أن يبعث معه قسما من العسكر إلى ينبع أو جدة ويتعهد هو بنفقات السفر ذهابا وإيابا فلم يجبه لأنه محظور عليه أن يبعث العسكر خارج المدينة إلى مكان يستغرق السير اليه أكثر من ثلاث ساعات إلا بإذن من الدولة ، ونصح له المحافظ أن يصحب المحمل لأنه خير كفيل بالراحة والأمن فرجع من عنده غير مرتاح النفس مضطرب الرأي فأبرق إلى الشريف والوالي أن يأذنا باستصحاب بعض الجند معه من المدينة إلى جدة ومكث أسبوعا ينتظر الإجابة فلم تأته فأبرق إلى شركة البواخر الخديوية أن تأجره باخرة من الوجه إلى جدة ثم عدن ، فلم تفده ويظهر أن الإشارة حجزت في مكتب البرق لأنها لا توافق مشرب الدولة أو أن العمال قصروا في تسليمه رد الإشارة كما هو دأبهم ، ويحسن أن نعلم أن الإشارة التي ترسل من المدينة إلى مكة ترسل للشام أولا فالسويس فسواكن فجدة فمكة وذلك بواسطة شركة « الايسترن الانكليزية » .
وقد أشرت على الأمير - وكنت أتردّد عليه لأتعرف ألاعيب الأعراب واستكشف من كلامهم ما عقدوا عليه القلوب - بأن يصحب المحمل وأن لا يتخذ لذلك بديلا إذ قرأت آيات السوء في وجوه أولئك المتسابقين فاتفق رأيه على ذلك وسار معنا بركبه إلا القليل منه .
وكان الأمير استأجر من مكة الجمال لتقله إلى المدينة فجدّة ونقدها الأجرة فلما تحوّل عزمه إلى ينبع أو الوجه فرّ الجمالة بما أخذوا وكذلك استأجر بالمدينة جمالا
مرآة الحرمين — صفحة 404
مساهمون: ابراهيم رفعت باشا
ص٤٠٤