تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المدينة المنورة بين الأدب والتاريخ — صفحة 30

مساهمون:

ص٣٠
على الصورة البلاغية ، التي تكتفي بتصوير الأثر عن طريق ترك الحرية للقارئ لاستنتاج الحقيقة ، أو الحكم على القضية التي كان يسعى الشاعر - بوعيه العميق - أن يبرهن عليها ، من خلال الصورة البسيطة المنتزعة من التجربة الإنسانية . يقول الشاعر رامزا إلى تغاضي العثمانيين عن المفاسد ، التي كانت تتعرض لها البلدة الطاهرة :
يا آل عثمان عين في ممالككم * مطروفة لطمتها كف واليها
( 3 ) * * ينوع الشاعر في وسائله الفنية ، التي أحكم من خلالها البناء الشعري لقصيدته فهو إضافة إلى وعيه بأهمية العبارة المجازية والبسيطة في الوقت نفسه ، في رسم أبعاد الأجواء السياسية والاجتماعية للمدينة في تلك الفترة ، نجده - أيضا - لا يغفل عن الموروث الشعري ، ذي الصلة الوثيقة بالتاريخ الإسلامي للبلدة ، فهو يشير إليه عن طريق استعارة بعض عباراته أو تضمينها ، ولكن هل هو التضمين غير الواعي ؟ أو هي الاستعارة الزائفة التي لا تتعدى الصور والأشكال ؟ أعتقد أن الشاعر وفق إلى - حد ما - في أن يستفيد من بعض الأساليب الشعرية القديمة ، وذلك لوعيه المتمثل في حسن استخدامه لها . فلئن قال الشاعر « البوصيري » شعرا يتشوق فيه إلى ديار الإسلام ، ويتغنى بربوعها في وقت كانت تنعم هذه الديار - فيه - بالسلام والأمن :
أمن تذكر جيران بذي سلم * مزجت دمعا جرى من مقلة بدم
فإن الشعر في عهد « البيتي » يتوجه لرثاء المواطن ، التي كانت تتجاوب بكل طمأنينة وسرور مع شعر المدح والحنين . يقول « البيتي » موضحا الفرق بين عصرين مختلفين من خلال الفرق بين نوعين متغايرين - أيضا - من الشعر ، شعر قاله الأقدمون غزلا ، وشعر يقوله شاعرنا رثاء :