تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المدينة المنورة بين الأدب والتاريخ — صفحة 29

مساهمون:

ص٢٩
المدينة كانت تشكله مجموعة الأغوات والحامية العسكرية التركية : وهم من ينعتهم « بالأجانب » في موضع آخر من القصيدة ، حيث يقول :
سوسوا البلاد بعين من نفوسكم * دعوا الأجانب ، أعطوا القوس باريها
وكلمات راعي « ورعية » التي استعملها الشاعر - في البيت السابق - تشكل لنا - بصورة رمزية - صورة شعرية للسكان الآمنين ، الذين وقعوا في شراك عدوين ، أحدهما من الداخل ، والآخر من الخارج . وعندما نأتي إلى البيت السادس من مقدمة القصيدة ، والذي يقول فيه :
يا دمنة سلبت منها بشاشتها * وألبست من ثياب المحل باقيها
نجد الشاعر يدعو مدينته باسم « دمنة » والجملة التي عقبت كلمة « دمنة » توضح لماذا استعمل الشاعر هذه الكلمة الدالة على الأثر ، لقد فقدت البلدة سمات فرحها أو سرورها ، أو تم اغتصاب مظاهر الحياة فيها لتحل محلها صورة أخرى - كما عبر الشطر الثاني من البيت وهي صورة البؤس والشقاء والحرمان ، ولقد كان لبناء الفعل للمجهول في قوله : « سلبت » و « ألبست » ، دور في تكثيف الصورة الشعرية ، وما ترمز إليه من إيحاءات ، كان يهدف الشاعر إلى التأثير بها في نفوس قارئيه عن الوضع السيء للبلدة ، بعيدا عن المباشرة والتقريرية . ( 2 ) * * لقد كان « البيتي » واعيا بأهمية العبارة المجازية ، ودورها في التأثير على نفس القارئ ، إلا أن نوعية هذه العبارة من حيث قوتها وأصالتها هي التي تجعلنا نصل إلى رأي في تحديد شاعرية المبدع . كما يعبر عن ذلك الناقد « هيربيرت رييد »
( HERBERT READ )
في مجموعة مقالاته النقدية المعروفة ، وهذا يدفعنا إلى أن نقف عند الأسلوب الشعري الذي عمل الشاعر ، من خلاله ، على البرهنة على غفلة الحكام العثمانيين . لقد نأى الشاعر عن المباشرة في خطابه الشعري لهؤلاء الحكام واعتمد
المدينة المنورة بين الأدب والتاريخ — صفحة 29 | عاصم حمدان