القانون ، ثم دخلت قوة البوليس ولم يتركوا محلا إلا وفتشوه بدقة فائقة ولكن بدون جدوى ، فلم يعثروا على شيء . . .
وكان أبو عيد يضحك مرة ويغضب أخرى ، ويردد أقواله المأثورة يشتم ويلعن ، وقد وقع نظره خلسة على طرف فرد « 1 » كان متروكا على القاطع الخشبي بين إحدى الغرف ، وكان وراء القاطع الخشبي هذا الحريم . . . فجن جنون أبي عيد ، وفي الحال جاءته فكرة خبيثة خوفا من رؤية المستر براملي الفرد فيروح أبو عيد في داهية . . . وخصوصا البلاد في ثورة وبعدها ثورة ، وهم على هذا الحال رأى المستر براملي الخزنة الحديدية في الغرفة ، وأصر على أبو عيد أن يفتحها ربما يجد فيها شيئا يشفي غله من البطل أبي عيد .
جاء أبو عيد وفتح الخزنة الحديدية ، وإذ هي تحتوي على كمية من الليرات الذهبية المختلفة ، فدهش المستر براملي ، وقال له " لما ذا لا تضع المال في البنك ؟ " . أجاب أبو عيد : بنك اللّه ، إحنا ما نعرف بنك " إحنا عندنا فرد فرد " .
وعندما قال كلمة فرد بصوت عال سمعته الحريم الواقفين خلف القاطع الخشبي وتذكروا الفرد ، وبأسرع من لمح البصر أخذوا الفرد من على القاطع ودهوروه في محل ما . . . أما المستر براملي فسر عندما أخذ قرارا من أبي عيد بأنه يحتفظ بفرد ، وقال في قرارة نفسه الآن وقع بين يدي فسأله أين الفرد قول ؟
أجاب أبو عيد : فرد يعني الواحد القهار ! فاهم الواحد القهار ، وعليه نتوكل . . . فضحك المستر براملي وترك أبا عيد وبيته وخرج مع رجاله مكسوفين . وهكذا بلباقة وذكاء وجرأة تخلص أبو عيد من عقاب التنباك والسلاح .
فوزي خليل درويش
فوزي درويش ، أو بالأحرى العم أبو خليل ، وهو ابن المرحوم خليل أفندي درويش المعروفة بالقدس كان موظفا ماهرا ومحاسبا في البنك الزراعي زمن الحكم العثماني ، وقد عينته حكومة الانتداب البريطاني بعد الاحتلال في محاسبة تركة البنك المذكور ، وكان يشتغل - آنذاك - في عمارة الأوغستا فيكتوريا « 2 » ، واكتسبت الحكومة الفلسطينية من خبرته الواسعة الشيء الكثير بموضوع البنك .
كان العم أبو خليل مشهورا بالظرف وبديهي النكتة وولوعا بالكاس والطاس لآخر يوم من حياته على ما أعلم ، وكان يحب المزاح ويتحمل السخرية بطيبة خاطر في جلساته الطروبة هذه ، بالنسبة إلى مقامه ووظيفته ، فكان الحضور لا يتمالكون من كبت نفوسهم ، بل تسمع الجميع يضحكون بأعلى أصواتهم عندما يأخذون منه نكتة بديهية طبيعية بدون كلفة ولا تصنع .
كان أبو خليل يشبه رسم ستالين ، وعلى الأخص في شنبه المهدول على فمه ، وخصوصا عندما يكون مبسوطا شوية . . .
تصور أيها القارئ الكريم عندما كنا نجلس مع العم أبي خليل في ليلة أنس . . . وكانت ليال كثيرة تضم نخبة من أبناء بيت المقدس أمثال عبد الرحيم الطبجي ، وعبد الحليم الطبجي ، وداود الفتياني ، وتحسين الخالدي ، ورشدي المهتدي ، وعبد الرحيم المهتدي ، وحسن صدقي الدجاني ، وفخري النشاشيبي ، وعبد السلام النشاشيبي وغيرهم ، كان العم أبو خليل يمثل دور العروس ( فيرفع يديه مفتوحة ويطبق عينيه ) في الجلوة فكنت أغني له بعض الأغاني تناسب المقام ونتلاعب في الكلمات :
هامش
( 1 ) فرد : مسدس .
( 2 ) في المطّلع ، وهي منطقة في جبل الزيتون مشرفة على القدس .