ومن أعلام الصهيونية ، فأضربوا - كعادتهم - مظهرين استياءهم واعتراضهم الشديد لبريطانيا ، وقد أغلقت الحوانيت في ذلك اليوم في وجه المندوب إلا محل العم أبو عيد الدلال .
نزل المندوب في موكب رسمي عظيم تحيطه جنود ورماح بريطانيا ، وبمعيته الحاخام الأكبر لليهود في مدينة القدس ، وبعض الوجهاء من اليهود ورجالات الدولة . وإني أذكر جيدا فشاهدته بعيني عندما غير لباسه ولبس اللباس التقليدي الديني في فندق السان جون لصاحبه عمي صليبا سعد وشريكه الحاخام أمدورسكي . وعندما عرج الموكب على محل العم أبو عيد ، فرش العم أبو عيد السجادة العجمي الرائعة على الشارع واستقبله ببشاشة فائقة واحترام زائد قائلا : " هذا يوم سعيد ، خلصتونا من نير وظلم الأتراك اللّه ينصرك يا بريطانيا ، إدعس . . . " .
بذلك الصوت الجهور العالي إلى ما هنا لك من كلمات في منتهى الإجلال والاحترام والتقدير ، وصافح المندوب ، وقال في نفسه إذا هو من خيار المسلمين ، ولكن نسي المسكين ، بل لم يعلم ما وراء هذه التمثيلية . مشى المندوب على أقدامه على السجادة وكان بالطبع وراءه الحاخام باشي على ما أذكر اسمه الحاخام الأكبر كوك ، وإذ العم أبو عيد يتشاجر مع هذا الحاخام ويقول :
ارفع رجلك عن السجادة . . . يلعن أبو خاخامك . . ولك هذه لسيدك رئيس البلاد الإنكليزي ( متجاهلا أن المندوب السامي كان من اليهود ) . . . وحاول أن يقيم السجادة فالتفت في الحال المندوب السامي فبادره العم أبو عيد :
يا سيدي قال بدويدعس ع السجادة قال . . يا سيدي بعيد عنك هذا يهودي ! !
وهكذا أسدل الستار واستدركوا الأمر ، وكما يقولون لفوها بداعي أن العم أبو عيد جاهل . . . وبقيت هذه الحادثة تحكى في المجتمعات والليالي ، وأضيفت إلى جملة حوادث العم أبو عيد المأثورة والخالدة في تاريخ زمن الانتداب البريطاني في فلسطين .
العم أبو عيد الدلال وستورس
بعد الثورة الأولى في مدينة القدس التي قتل وجرح فيها كثير من اليهود الذين كانوا يسكنون داخل سور المدينة ، دخل الرعب والخوف في قلوب اليهود ، وأصبحوا في حالة ذعر شديد يختبئون من وجه العرب ، وقد صادف أن العم أبو عيد كان له دكان في حي البزار يبيع فيها - آنذاك - بقالة .
وعندما كان اليهود في حارة الشرف ، أي حارة اليهود في المدينة ، هربت بسة « 1 » بسرعة ، وقفزت من دكان إلى دكان آخر ، فجعل أحد أصحاب الحوانيت من اليهود هناك ، وأغلق حانوته ظانا أن ثورة جديدة أقامها العرب ضدهم ، وعندما رآه صاحب حانوت ثان أغلق هو الآخر حانوته وهكذا دب الرعب بينهم فأغلقوا المحلة بأسرها ، وبدأ الشعب من مختلف الطوائف يتراكض في الشوارع ، فأغلقت البلد صوانيتها من الفزع .
وعليه نزل السيد رونالد ستورس بنفسه ومعه عدد كبير من رجالات الحكومة يطمئن الشعب ، وعرج على حانوت العم أبو عيد الذي بدأ يصيح :
هامش
( 1 ) بسة : قطة .