داود ياسمينة والكستنا
أدون للقارئ نبذه ثانية ظريفة عن ما كان داود يتناوله من خفيف الطعام :
صادف أنني سهرت إحدى الليالي ورجعت البيت وأنا على جانب عظيم من الحظ " مبسوط سكرا " حوالي الساعة الخامسة والنصف صباحا ! وهكذا لم يبق لي متسع للنوم لقرب ميعاد العمل في دائرة الحاكم باب العامود ، فاضطررت أن أصرف ما تبقى لي من الوقت في مقهى النابلسي الواقع - آنذاك - مقابل دائرة الحاكم عمارة الألمان . فشربت ما تيسر من القهوة السادة . . . وإذ حوالي السابعة مر علي داود وهو يأكل الشئ بلهف .
داود عجيب يا . . بيظهر أنك سهران .
أنا عم حرقه تحرقك سهران شو بحضك ؟ . . وشو عما تأكل على الصبح ؟ . اطعمني . فناولني بعض حبات من الكستنا ( بدون شوي ) فقلت بتعجب : العمى هذا فطورك ؟
داود لا ، ولك هذا للتسلية فقط ، فأنا أفطرت ثلاث أواق لحمة مشوية وبعدها اشتريت أربع أواق كستنا تسالي . وواصل أكله ببساطه وكأنه يأكل فستق حلبي .
أكسبته حينئذ شيئا كم من شتيمة من الوزن الثقيل . . . وقلت له ولك مسكين الذي يدعوك على مائدته مرة . . . فقال على الفور فأنا لا أدعى عادة إلا في حفلات الأفراح . . خوفا من عين الحاسدين .
تعليقي على داود بعد إقالته من الوظيفة
كان داود مغرما باقتناء الخيل العربية الأصيلة ، فكان يركب حصانا أسود كنت أدعوه بالأبجر . . . وكان - والحق يقال - يجيد ركوب الخيل . ولنا ذكريات عديدة في الشطحات ، وخصوصا شطحة قرية كفر عين من أعمال قضاء رام اللّه مع الصديق يوسف مرقص ، فأبدع داود بأكل ما يسمونه ( بالزرب ) ، أي الخروف المشوي بالجمر بالأرض . ولكن داود قد استغنى ، مع الأسف ، عن خدماته لأسباب عديدة منها أنه تشاجر مع حاكم رام اللّه - آنذاك - المستر بولاك ، وكانت القاضية على وظيفته . . . ولكن على الرغم من عن تركه الوظيفة لم تنقص صداقتنا ، وأنا بدوري علقت على ذلك ، وانسبت عزله من الوظيفة بين الأصدقاء والزملاء بالفكاهة ، فمثلا كنت أشيع الخبر فأقول في مجالس الأنس :
أتدرون لما ذا أقيل داود ياسمينة ؟ . . . مسكين أنه أكل اثنين وعشرين بلاطة من بلاط عمارة دائرة الحاكم الألمانية الرخامي على أمل أن هذا البلاط هو أقراص لحم وعجين . . . ثم بلع جرسية الدباغة بداعي أنها حبة غريبة . . . وهناك الضحك والقهقهة ، وكان داود يبحلق بنظره في وجهي كنت أخاف بأن يأكلني بالفعل بعد تلك الوجبات من طعامه الخفيف ، فأتهرب منه بين الزملاء . . . فسقيا لتلك الأيام ما كان أطيبها !