صديقي الزميل في الوظيفة داود ياسمينة
داود ياسمينة ابن ميخائيل ياسمينة من طائفة اللاتين بالقدس المعروفين ، وهو وحيد لوالديه ، طويل القامة ، لونه يميل إلى السواد القاتم نسبة لوالدته التي كانوا يلقبونها بالحبشية . كان موظفا في العهد البريطاني منذ أول يوم من الاحتلال مع الفرقة الأولى من الجيش للترجمة ما بين الجيش البريطاني وبين أهالي فلسطين العرب ، وبقي موظفا تحت الحكم البريطاني المدني فاتخذته صديقا ، وكنت أرتاح لصداقته لما هو عليه من شهامة وأخوة ورجولية ، وله مواقف كثيرة فكهة كانت تجلب الأنظار . كان داود " أكول " يحب بطنه جدا ، حتى أنه عندما كان في الجيش أثبت للضباط بأن التعيين « 1 » المقنن للجندي من المواد الغذائية اليومية لم يكلفه المعروف ب
( Ration )
، وهكذا خصص له تعيين مضاعف من هذه المواد ، والجدير بالذكر أن جسمه كان ملتويا وليس فيه سمنة البتة .
كانت هذه الميزة فيه أو بالأحرى المرض الذي فيه يرعى انتباهي في أغلب جلساته ، إن كانت شطحة ، أو سهرة ، وهناك كنت أعلق عليه بالتنكيت والقهقهة ، ونقضي على هذا الموضوع ساعات لذيذة حتى أصبح داود بين الزملاء الموظفين يشار إليه بالبنان ، وهذا بالطبع كان يسرني . وإليك أيها القارئ الكريم لمحة وجيزة عن بعض أكلاته . . . لتأخذ فكرة عن بطنه :
اتفقنا وإياه أن نستحم في حمام العين الواقع في محلة الواد بالقدس ، جلبت معي بعض الثياب الداخلية ، وعرجت على داود الذي كان يسكن في الدار الكبيرة المعروفة بدار رباح أفندي الحسيني ، والواقعة على قنطرة شارع خان الزيت الكبيرة ، وكان مدخل الدار مقابل دار أسعد قطينة القريبة من عقبة المفتي . عندما دخلت مدخل الدار ناديت بأعلى صوتي يا داود باللّه انزل لنذهب إلى الحمام ! ! أجابني طيب بس اطلع حتى آكل بعض الشيء الخفيف قبل الحمام . صعدت السلالم إلى بيته ، وكان ذلك في شهر رمضان ، وقد أحضر والده صينية صغيرة من الحلوى المعروفة بالبوغاجا ( بالجبن ) ، وإذ كانت المائدة على حضر ، وبالاختصار جلسنا احتراما لوالده لأنني لم أتعود أكل شيء قبل الحمام . بسرعة فائقة أكل داود إحدى عشرة محشية من محشي الكوسا باللبن صغير الحجم . . . ثم التفت وأكل ما يقرب من نصف صينية البوغاجا أعلاه ، وتركنا وذهب كي يغسل يديه .
وهنا كما يقولون بيت القصيد ، فبعدما ترك داود المائدة إذ تنهدت والدته والتفتت إلي قائله " موتي ما عاد لداود أكله مثل أيام زمان . . " وهات يا ضحك ، فلم أقدر أن أملك عواطفي وقلت في قرارة نفسي " العمى بيظهر داود أصبح أكولا بالوراثة عن والدته " ، وهكذا في كل مناسبة من جلساتنا كان المجتمعون يرجونني فأقص عليهم هذا الحادث الطريف ، وقد كشفت أحوال داود الغامضة بأكله لكل من الأصدقاء ، وكانت فضيحة والعياذ باللّه !
وعلى ذكر والدة داود ، بل بالأحرى أسرة داود المؤلفة فقط من والده ووالدته ، فكانت في الوقت ذاته ترعي الانتباه ، فإذا جلست صدفة مع والدته فلا يطيب لها إلا أن تعطيك درسا وخطابا فياضا بموضوع ما تحبه وتكرهه من المآكل ، فمثلا تقول :
هامش
( 1 ) التعيين : الحصة .