علاقتي مع بديعة مصابني
زارت بديعة القدس لأول مرة ومعها عازف العود شحادة " يهودي " يترأس فرقة موسيقية متواضعة على ما أذكر سنة 1920 ، يصحبها راقصتان بلباس قومي مصري ، ونزلت في فندق صغير لصاحبها مينا ميخائيل الحلبي ، يقع حذاء بوابة الخليل من الداخل مباشرة ، وقد استعمل فيما بعد مطبعة لجريدة مرآة الشرق لصاحبها المرحوم بولس شحادة من أهالي رام اللّه . اشتغلت على مسرح مقهى المعارف خارج باب الخليل ، وكان يعرف هذا المسرح - رغم صغره - بأحسن مسارح القدس ، وكانت تغني بعض أغنيات وترقص هي ومن معها من الراقصات على ألحان هذه الأغنيات ، وتمثل بها المعنى الحقيقي ، فإذا ما غنت طقطوقة :
فستق مملح ولذيذ يا أفندي * خدلك وقية ولا اثنين
فستق بلادنا مالوش مثيل * والحبة منه تشد الحيل
تكون بلباس بائعة الستق ، وبيدها الإناء المعد لبيع هذا الفستق ، ثم تنتقل إلى طقطوقة أخرى مطلعها :
يا نواعم يا تفاح * يا حاجة حلوة كويسة
واللي تبيعك بيضة * وأمورة وست النسا
من مقام الحجاز كار ، فتمثل بائعة التفاح الذي يكون بعضه في يدها بألبسة خاصة ، ثم تنتقل إلى طقطوقة أخرى مطلعها :
صح النوم ما تقوم يا حبيبي * ريق ريقك ع الحليب
يا لبن قشطة وحياة حبك * لو داقه العيان ليطيب
من مقام راست نوى ، فتمثل بائعة الحليب ، وكانت - والحق يقال - تجيد هذا النوع من الغناء الخفيف كل الإجادة ، وتتجلى برقصها وحركاتها لما هي عليه ، ولا شك من قوام فاتن وجمال باهر وبسمة وجه ولطف حتى ، وكان المستمعون والمشاهدون لغنائها وجمالها يحسبون أنهم في الجنة ويغيبون عن الدنيا .
وكانت تعتني كثيرا بغناء وألحان المرحوم السيد درويش ، والجدير بالذكر أنها عندما كانت تغني الأغنية ، وخصوصا المونولوجات المشهورة ، كانت تعطي المستمع صورة عن معنى الكلمة التي كانت تبهرك وهي تخرج من فمها أثناء الأداء ، فمثلا أذكر مونولوج من مقام عجم :
ما قلت لكش إن الكثرة * لا بد يوم تغلب الشجاعة
ثم البيت منها يستهزئ بالأغنياء الذين لا يشعرون بالوطنية فتقول :