تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 310

مساهمون:

ص٣١٠
ومشينا والجميع يضحكون . . . إلى أن أوصلتها بأمان واطمئنان إلى منزلها ، وهناك أبت أن تتركني إلا بعدما جلست في غرفتها وتناولت كأسا من الويسكي . . . وودعتها ودعيت لها نوما هادئا . وأصبحت هذه الحادثة على لسان الزملاء في اجتماعاتهم .

المستر رونالد ستورس حاكم القدس العسكري

كان أول شغلي في سراي حاكم القدس العسكري في قلم التحريرات بصحبة السيد قسطندي لباط والصديق ورفيق الدراسة طناس سلميت ، فكنت مسؤولا عن فتح الدوسيات وترقيمها وإدخالها حسب الموضوع في سجل خاص ، وذلك في القاعة الكبرى من عمارة ألمان ، التي كانت تضم جميع الموظفين من ذكور وإناث الذين دونت أسماء كل منهم فيما سبق . وقد صادف أن الحاكم ستورس أقام حفلة في ليلة ما في الغرفة ذاتها ، وكان المدعوون من أهالي القدس شخصيا ، معروفة من مختلف الطوائف مسلمين ومسيحيين ويهود ، وكان الموظفون هم الذين يستقبلون المدعوين وأنا من جملة الموظفين ، وقد عرفني قسطندي لباط بالمستر ستورس لأول مرة ، وأعلمه عن ميولي ومواهبي الفنية ، وخصوصا في الموسيقى العربية من عزف على العود والرباب والطنبورة ثم الغناء من موشحات أندلسية وأدوار مصرية وأغان شعبية ، ثم أهازيج فلاحية والدبكة ، فسر ستورس ومن تلك اللحظة شملني بعنايته الخاصة ، وقربني إليه في حفلاته الخاصة ، وخصوصا في بيته . كان المستر ستورس من رجالات بريطانيا المعدودين ، وله خدمة فائقة للإمبراطورية البريطانية في الشرق الأوسط ، وقد دخل مع حملة الاحتلال البريطاني ، وقد خدم في مصر السنين الطوال ، وكان يعرف اللغة العربية ويجيد القراءة والكتابة حتى القرآن ، وله مواقف بديعة ورائعة عند العرب والمسلمين ، وكان من حاشيته لورنس المعروف في الشرق الأوسط ، ومطلع إطلاعا تاما على أسرار السياسة البريطانية في الشرق ، وما كان يجري كان بواسطته من معاهدات مكماهون ، وحسين الأول ابن علي وفيصل الأول ، ومعه حسين روحي الذي بقي فيما بعد معينا موظفا في دائرة معارف الانتداب البريطاني بالقدس . وكان ستورس عالما في بلاد العرب ويعرف عوائدهم وغرائزهم ، وهكذا عين حاكما عسكريا للقدس بعد الاحتلال البريطاني مباشرة بواسطة جبرائيل حداد باشا ، وقد ساعد - كما قلت آنفا - في تأسيس الإدارة بعد الاحتلال من الوجهة السياسية ، وبدهائه كون فكرة الأحزاب السياسية في البلاد ، فأقام المجلس الإسلامي الأعلى ، وعلى رأسه الحاج حسين الحسيني بعدما أرجعه من الخارج زمن السير هربرت صموئيل ، ثم أقام ضده راغب بك النشاشيبي المعروف [ بعلاقته ] بحزب الدفاع ، والموالي لحكومة الانتداب كما سيجيء البحث عن ذلك في الفصول الآتية . كان لستورس ميل خاص في اقتناء كل ما هو جميل من صنع الشرق من تحف على اختلاف أنواعها ، فكان بيته بالقدس يقع في الأرض المعروفة بملك الألمان ( طلعة المستشفى الإيطالي ) ، ويقال إن هذا الموقع ضربت فيه خيام إمبراطور ألمانيا عندما زار القدس سنة 1898 . كان بيت ستورس شبيها بمتحف مستقل ملآن بأفخر أنواع السجاد العجمي التاريخي ، ومجموعة رائعة من النحاس العجمي على اختلاف أنواعها ، وبعض الأسلحة الأثرية العجمية والإستنبولية النادرة ، والمخطوطات والخزف وغيره ، وهكذا كنت أشتري له بعض هذه التحف بأسعار رخيصة ، الأمر الذي يزيد حبه وعطفه إلي ، وكان يقدر ختم ستورز كحاكم القدس العكسري .