تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩
وهكذا كنت أعجب وأقول في قرارة نفسي ما هذه الدولة ؟ وما رؤساء الحكم هؤلاء ؟ هل يجوز هذا اللهو والحظ ومرارا السكر في الغرف ذاتها التي تنصب فيها المحاكم والبت في شؤون الشعب ومشاكل الناس ؟ ! ! يا اللّه كيف كنا في زمن الحكم العثماني ؟ ! ! ولكن أعود وأقول يا حبذا لو بقينا في ذلك الحكم ، لأننا علمنا فيما بعد - ويا للأسف - أن بلادنا ووطننا قد بيع سرا لليهود ! ! آه من هؤلاء القوم الذين تنفسنا الصعداء بدخولهم ، فهم الذين نكثوا بالعهود ، وخانوا الأمانة والوصاية بعد ما كان العرب أنفسهم الذين ساعدوهم في هذا الاحتلال ، وقاموا بالثورة على الأتراك ، كانت هذه مشيئة اللّه سبحانه وتعالى .

رئيس الكتبة و . ماكفرسون

وإني أدون هذا الحادث لأعطي فكرة للقارئ عن حالتنا المرحة في سراي حاكم القدس العسكري وعن برودة الشعب البريطاني : وصلت كعادتي وأنا على جانب من الحظ . . . في الساعة الخامسة والنصف من مساء ذات يوم إلى الدائرة ، فدخلت قاعة التحريرات
( Registry )
وجميع الزملاء في انتظاري . لمحت عن بعد في زاوية هذه القاعة ( حزمة بنطلونات من تلك الملعونة المصنوعة لجنود الأتراك الرخيصة ) ، كانت قد وجدت متروكة داخل مغارة القدس الواقعة تحت سور باب العامود ، فصودرت ونقلت في ذلك اليوم إلى السراي . ففي الحال لبست واحدا من هذه البنطلونات ، وكان كبير الحجم ، فغطى ما يقرب من صدري . . . وأصبحت في صورة كريكاتورية مضحكة ، وجئت فوقفت تحت اللوكس الكبير المعلق في وسط سقف تلك القاعة أرقص دبكة على أغنية دكدوكة يا كدوكة . . يا إم اللحية المدكوكة . . . الخ . وكانت أغنية معروفة لي خاصة بالقدس تعلمتها من الفلاحين . وكان من حولي زملائي من آنسات وسيدات يصفقون بأيديهم ويرددون من بعدي الترديدة وكلنا في طرب . ولكن - كما قال المثل " وعند صفو الليالي يحدث الكدر . . " - إذ فتح الباب فجأة ودخل رئيس الكتبة المستر ماكفرسون بوجه قاتم ، وأشار لي بإصبع يده وقال مستر جوهرية . . . ورجع إلى غرفته . وقف كل منا وكأنه على رأسه الطير ، وخافوا عليّ من الطرد من الوظيفة ، أما أنا فوقفت خلف الستار القائم بين الموظفين وضاربات الماكنة للطباعة . . . وشلحت بخفة ذلك البنطلون ، ورتبت هندامي وذهبت لمقابلة المستر ما كفرسون وقلبي يخفق من النتيجة الحرجة . أتدري ما قال لي ؟ نظر إلى بابتسامه ، وقال : هل من الممكن توصيل أختي إلى البيت عندما ننهي العمل في هذه الليلة ؟ فقلت له شو عليه نحن لبعض فسلمت على أخته وكانت آية في الجمال وقلت لها أنا على أتم الاستعداد فكوني على حذر في السابعة فشكرتني . كان المستر ما كفرسون وأخته يسكنان في هوسبيس النمسا بجوار بيت والدي داخل السور آنذاك . رجعت إلى زملائي وأنا أضحك مقهقها وقلت لهم هالعكروت . . . لم يذكر لي شيئا عن الرقص ولا ما يحزنون . . . هكذا يكون رئيس الكتبة وإلا فلا . . . يلعن أبو تركيا . . . إلى ما هنا لك من نهفات جوهرية فدهش الزملاء وتعجبوا . وعند الساعة السابعة هناك وأمام جميع الموظفين اصطحبت الآنسة التي كانت تعرفني وتعرف فني فوضعت يدها في يدي . . .