نكثوا العهود واستولوا على بعض الأملاك ، وتعدوا على الحدود بصورة وحشية . وقد أقامت وكيلا عنها أخاها المدعو طاهر الخالدي ، واتخذ مقره في خربة دير عمرو ، ولكن بالنظر لعدم اطلاعه على حقائق التملك لهذه الممتلكات ، سألتني بأن أرافقه بصفتي الشخص الوحيد الذي كان واقفا على حالة الوضع في زمن الفقيد ، فكنت أرافقه في جميع جولاته ، ومطلعا على كثير من المشاكل ، وخصوصا النزاع القائم ما بين الفقيد والمدعو عمر محمود الصالح في قرية بيت جير المجاورة إلى بيت سوسين . وهكذا ، وبكل سرور استقلت من وظيفتي في العدلية ، وسافرت إلى دير عمرو لقضاء الواجب ، وفي الوقت ذاته وجدت - ويا للأسف - أن الحرش البلوط الذي كان يربيه المرحوم ويعتني به والمعروف بخربة الأكراد يتلاشى رويدا رويدا ، لأن طاهر أفندي قطع الأشجار ، وعملها فحما ، وذلك لسد حاجات البيت .
مقهى وبأمر الجوهرية : سهرات مع بديعة مصابني
استقال الأخ خليل من وظيفة الجندرمة السواري صحبة إبراهيم بك بالقدس سنة 1918 ، وقد تشارك مع صديقنا جورج بن ميخائيل الحلبي من أبناء طائفة الروم المعروف برجولته ، وخصوصا زمن النهضة الأرثوذكسية التي كان يتزعمها المرحوم جورج زخريا ، وقد دخل معهما شريك آخر يدعى حبيب الموندو ( أبو سامي ) ، ففتحوا مقهى وبارا في عمارة الروس عند المدخل الرئيسي الجنوبي الواقع على شارع يافا . هذا المقهى والبار كان عبارة عن أربعة مخازن متسعة الأرجاء ، ولها ستة أبواب في الطابق الأرضي ، وكان الطابقان الأول والثاني مستعملين من قبل دائرة الاستخبارات البريطانية ، وبعض الدوائر الأخرى لحكومة الانتداب آنذاك .
كان الإقبال على هذا المقهى عظيما من الأهلين على اختلاف طوائفهم وأديانهم ، فكنت ترى الزبائن يجلسون على الكراسي الممتدة من أول زاوية عمارة هذا المقهى إلى المنعطف المؤدي إلى طريق أملاك عمائيل ودائرة السفر والمهاجرة أو طريق الكانتورة . وإن اسم مقهى الجوهرية اشتهر بسرعة فائقة لما كان الأخ خليل عليه من ذوق رفيع في تنظيم وعمل المازة وغيرها ، التي تتعلق بشرب الكاس . فقد جاءنا بأساليب مغرية اقتبسها من بيروت عندما كان في جندية الجندرمة زمن الحكم العثماني ، فكنت ترى كأس العرق ومن حوله في صينية خاصة مجموعة من مختلف الصحون الصغيرة المتناسبة ، وفيها ألوان المازة الشهية مع كأس من الماء المثلج تقدم بواسطة الجرسون إلى الزبون بكل ترحاب ، وقد كان هذا مفهوما في القدس ، ثم لا تنسى ما للأخ خليل وتوفيق ، وعلى الأخص أنا ، من معارف وأصدقاء بالنسبة لفن الموسيقى ، فقد هرعوا على هذا المقهى وواظبوا عليه ، فكنا نقضي أياما بل ليال داخله بكل سرور ، ولنا فيه ذكريات جميلة .
أذكر سهرنا والفنانة بديعة مصابني داخل المقهى بعدما أحكمنا إغلاق أبوابه من الداخل ، فكانت ليلة نادرة ضمت الكثيرين من أبناء القدس المعروفين آنذاك أمثال تحسين الخالدي ، وداود الفتياني ، ورشدي المهتدي ، والشيخ نزال أبو السعود ، ومحمد يوسف الخالدي القاضي ، وفوزي درويش وغيرهم . والجدير بالذكر أن الخوري سوتيري حنانيا كان من بين الحضور ، وإني أحتفظ بصورة تذكارية لهذا الجمع داخل المجموعة الجوهرية تظهر ما للخوري حنانيا عليه من طرب وسرور ، وقد شلح من على رأسه القلوسة فوضعها على الطاولة بجانبه .