تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 604

مساهمون:

ص٦٠٤
الدائرة عند الساعة الحادية عشر من صبيحة ذلك اليوم وذهبت إلى البيت ولم أرجع إلى وظيفتي منذ ذلك التاريخ مع أنه من المفروض على كل موظف أن لا يتغيب إلا للتاريخ المحدد لانتهاء الإنتداب البريطاني في 15 مارس سنة 1948 . استقريت في البيت بين العائلة نفكر جليا عن الطريقة الأفضل الواجب اتباعها في مثل هذا الظرف العصيب وإليك ما اتخذناه من قرارات : -

الأسباب الوجيهة التي جعلتني أترك بيتي المعروف

بالمجموعة الجوهرية وأغادر القدس وعائلتي نهائيا : - 1 . موقع بيتنا الخطر فقد ذقنا فيه ألوان العذاب والقلق والخوف من جراء ما جرى حوله ومن جميع جهاته وأطرافه من نسف عمارات وألغام وقنابل ومعارك اعتبارا من نسف فندق الملك داود ، وحي المونتيفيوري ، وعمارات الحلبي وطنوس ، وعشرات العمارات في المركز التجاري اليهودي . 2 . إدخال بيتنا في منطقة الثانية المحصنة بالأسلاك الشائكة وإقامة قاعدة عسكرية في الطرف الشرقي من ذات سور بيتنا الأمر الذي كان يزعجنا كثيرا ويضايقنا بوجود الجيش وأعماله ومراقبة العرب من جهة باب الخليل وقلعة النبي داود وكذلك اليهود من جهة حي المونتيفيوري فكانوا لا ينقطعون عن ضرب النار ليلا ونهارا والهدف أصبح بيتنا ليس إلا . . ثم صعوبة الوصول إلى بيتنا من جهة مدخل المنطقة المحصنة الواقعة في شارع سان جوليان والتي لا يجوز لأحد حتى ولا الطبيب عند اللزوم الدخول إلا بإذن خاص . . ثم والمهم ورغم من هذا السياج الواقي لنا ولبيتنا مؤقتا فلما ذا يحدث عند انتهاء الإنتداب ؟ هل يا ترى يبقى ؟ وإذا بقي فمن يكون صاحبه اليهود أو العرب ؟ في حالة الجلاء ؟ ! ! 3 . والجدير بالذكر في هذا الصدد أن وصولنا ووصول أي شخص من العائلة لو دخل المنطقة المحصنة فلا بد له من السير بجانب فندق الملك داود ثم إلى بيتنا وهذه الجهة مفتوحة ومعرضة إلى نار يهود حي المونتيفيوري اللذين كانوا يطلقون النار على كل من مشى هناك وكم وكم من المرات أطلقوا علينا وعلى صهرنا زهدي وسالفا وسلمنا من هذه المعارك بأعجوبه ! ! 4 . تدهور الحالة في القدس ومواصلة المعارك الدامية بين الفريقين واستمرار النسف والألغام ليلا نهارا من حولنا حتى أصبحت العمارات خاوية ورذم وأنقاد وزاد على ذلك هجوم نوع من الغربان المعروف [ بالقاق . . ] كان يتردد يوميا وينحق بصوت وحش من على أسطحة العمارات المهدومة ومنها إلى القنصلية الفرنسية ثم إلى سطح دارنا ينعق في الصباح والمساء ويزعج كل منا وكنا نتشائم واللّه . . من هذا الحادث الذي لم أراه طيلة سكني حي النيكوفوريه . . كنا نعيش في الظلام لا كهرباء ولا ما يحزنون . 5 . أصبح جسمي مرهف لدرجة أنني لم أتمكن من تحمل هذه المصاعب وساءت صحتي . . وأشار إلي الطبيب بالبعد عن هذه المنطقة والرحيل إلى محل مريح نوعا حتى يقضي اللّه أمرا كان مغفولا . وكانت سنة تواصل فيها المطر بغزارة والبرد أضنانا لعدم وجود درفات نوافذ التي أزيلت من المتفجرات وكان البعض منها محشوا بأكياس الرمل .
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 604 | واصف جوهرية