تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 594

مساهمون:

ص٥٩٤
وبعد أن استرحت قليلا بعد تناول طعام الغذاء وعند العصر من بعد ظهر الثلاثاء إذ شاهدنا بأن سور دارنا وخصوصا الشرقي والذي يطل إلى جهة تلة باب الخليل من الخارج محاط بشبان وشابات من اليهود مما يدل بأن هذه الفئة ولو أنها لم تلبس ألبسة الميدان ولكنها منظمة تنظيما عسكريا جاءوا من الجهة القبلية لدارنا المعروفة ب حي أو كوميانية المونتيفوري المعروفة وهم من الهاجاناه اليهودية وفي أيديهم الهراوات والمجارف والسطول ومنعوا جميع أفراد العائلة من الوقوف على أسوار الدار . كانوا يراقبون جمهورا عربيا ضخما يسير بمظاهرة وغوغاء على تلة باب الخليل من الخارج المشرفة على بركة السلطان والمونتيفيوري من الجنوب وعلى شارع مأمن اللّه وشارع يافا من جهة الغرب وأنا كنت أراقب الجميع خلسة من إحدى منافذ الغرفة الفوقا من دارنا . ولكن أعتقد أن الجمهور العربي الذي كان باب الخليل ازداد عددا وعدة وانتشر إلى أن وصل جبل صهيون وطريق الخليل حتى امتلأت جميع المنطقة بهذه الجموع المتجمعة مما أدخل الرعب والفزع في قلب العدو الذي كان متربصا بجانب دارنا ، وعند المساء ولدى سمعنا إنذار الجيش بمنع التجول رجعت اليهود من حيث أتت إلى كولونية المونتيفيوري كما أن العرب تفرقوا وانزووا إلى منازلهم . ولما كان موقع دارنا موقعا استراتيجيا بالفعل نشاهد جميع هذه المنطقة بسهولة فائقة رأينا في سكون الليل كيف أن الجيش البريطاني وفئة من بوليس الإنتداب اليهودي تحت رئاسة الضابط المستر لينكر كان يأتي بشبان اليهود ويساعدهم بفتح أبواب مخازن تجار العرب في المركز التجاري أمثال رشاد بركات وميشيل منه وغيرهم ويتساهل معهم لنهب أثواب القماش من الحرير والصوف ثم يدعهم بحرق ما يرغبون من هذه المخازن . وإني أذكر أن زوجتي عند رؤيتهم يعملون هذه الأعمال الشاذه [ على عينك يا تاجر . . ] بمساعدة بريطانيا وجيشها وبوليسها صرخت بالإنكليزيه بأن هذه البضاعة والمخازن للعرب وأنتم في وقت منع التجول هددوها ومنعوها من الوقوف على سور دارنا ثم صوبوا بنادقهم عليها فيما إذا امتنعت عن تلبية أوامرهم . هذه صورة مصغرة تبين للقارئ الحالة التي كانت قائمة في البلاد والتحيز الواضح البريطاني لليهود ثم شدة التنكيل والعذاب والقسوه بالعرب أهل البلاد الأصليين ومن أمثال هذه الأعمال طيلة مدة الثلاثين سنة أصبح لليهود مملكة واستقلال في بلادنا ويا للأسف والعار . تواصلت المعارك وذقنا في دارنا ألوان العذاب وكنا ننام على أصوات الانفجارات والمتفجرات وصوت المتربوز والبنادق والحرائق ليلا ونهارا من حولنا . . والعياذ باللّه حتى وجدنا أن الحالة في البيت لا تطاق أبدا . ولحسن الحظ نوعا كنا داخل المنطقة المحصنة رقم ( 2 ) وكان قاعدة الجيش متمركزة في الزاوية الشرقية الشمالية من سور بيتنا نطلق النار تارة على المنطقة العربية والأخرى على اليهود حي المونتيفيوري ! ! .