وبقينا عائشين على أعصابنا ولسان حالنا يقول : " لا تنكروا خفقان قلبي . . والحبيب . . لدي حاضرز " إلى أن سمعنا الغوغاء والضحك المتواصل من الناس في تلك البقعة وبعد الاستفسار وجدنا أن ( اللوري هذا ) هو شخص من الخليل . .
عربي وليس يهودي أوقفه هناك وذهب لقضاء عمل ما داخل سور مدينة القدس . وهكذا شاركنا الناس أفراحهم وودعت الأخ جورج ومشيت متجها مأمن اللّه ، وإذ جمهور من الشعب يركض وفي حالة ذعر آتيا من جهة مأمن اللّه ، فسألنا ما الخبر فقيل لنا : -
أن معمل الورق والكرتون الذي كان في عمارة مخزن حنا الزنانيري ملك حنا القواس من بيت لحم ملفوفا وقد حذر العمال تلافونيا فنزل كل من يسكن ويعمل في تلك العمارة مذعورا وترك كل شيء . . ليسلم من الشر . وهكذا اضطررت الدخول في دكان أخي وصديقي بشاره فريج بائع كل أنواع الخمور المسكرات . . والدكان ملأى بقناني الخمور من أرضها إلى السقف . . من جهاتها الثلاث .
فوقفت مذعورا والجدير بالذكر ولأجل الصدف وجدت زوجته ياسمين هناك تبكي خوفا من نتيجة هذا اللغم المؤقت وكان زوجها يطمئنها . . وهو في منتهى النرفزه . . وقد كلفني بأن أساعده على الاطمئنان . . فامتثلت لأمره وبدأت بكلمات وكلها لطف لا عبر لها أن لا خوف من أبدا ونحن بعيدين عن العمارة إلى ما هنا لك من اطمئنان وتطمين . .
ولكن المرأة لم تصدق بل زادت في البكاء والنحيب وتذكر أولادها . .
أما أنا وذلك الشخص الذي كان فمه يطمئن هذه المرأة فقط . . وقلبي يخفق خوفا وجزعا . . فكنت أقول في نفسي يا اللّه ما ذا يحدث إذا لا سمح اللّه صدق هذا الانفجار فبالطبع يهز أركان هذا المخزن . . فتقع هذه القناني بيننا . . إلى ما هنا لك من أفكار قتاله فعلا . وقلت في نفسي لما ذا لم أدخل مخزن أخي وصديقي محمد هرام الخياط والمخزن ملآن بالحرير والكربدوشين وهو ملاصقا لهذا المخزن الملعون . .
أكتب هذا المقال ولن أنسى ما ذقته من هذا الحادث من خوف وجزع إلى أن كتب لنا الحياة فجاء من يخبرنا بأنه لا يوجد مفرقعات . . ولا ما يحزنون . .
فرجع العمال وأصحاب المتاجر في تلك المحلة إلى عملهم بعضهم يضحك والبعض لم يزل وهو وكأنه في غيبوبة يلعن الوقت الذي دخلت بريطانيا فيه بلادنا وسببت لنا من ربيبتها هذه الألوان من الجرائم البشعه . أما أنا فقد رجعت توا إلى منزلي في النيكوفوريه عن طريق السان جوليان فدخلت المنطقة المحظورة والتي يقع بيتي فيها بعدما أطلعت الجيش على البطاقة الخاصة التي تسمح لي بالدخول فوصلت البيت وحدثت أهلي عن الرواية والتي لم أنساها ما دمت حيا .
قرار تقسيم فلسطين الغادر
صحوت من نومي في صبيحة نهار الأحد الواقع في 30 تشرين الأول سنة 1947 وأول نظرة وقع نظري على ولدنا جورج الذي كان صاحيا في فراشه على سريره في الغرفة العليا من دارنا في محلة النيكوفوريه .