المستطاع ونزلت راكضا إلى الشارع المذكور ودخلت مقهى أخي وصديقي يعقوب زخريا وشركاه بجانب سينما ركس وهناك أسعفني وقدم لي الكازوز .
وأنا في حالة يرثى لها من شدة الفزع ، وقد شاهدت بأن جميع الموظفين والناس على الأرصفة ينتظرون انفجار اللغم والهيبة للّه . كان حادثا مؤثرا للغاية وكان منظري مرعبا والكآبة على وجهي . . ولكن أتدري ما ذا حدث بعد ؟
كنت وأصدقائي واقفا في باب المقهى ، وإذ جميع موظفي دائرة البريد العمارة الجديدة المؤلفة من ثلاثة طبقات يهرولون . .
ويتسابق الواحد عن الآخر من رجال ونساء يركضون أفواجا إلى خارج الدائرة المذكورة فأصبحوا في الشوارع لأنهم تلقوا إنذارا مماثلا عن وجود لغم مؤقت داخل العمارة ، وعلى وشك الانفجار ، وانضموا أيضا لموظفي دائرة الحاكم بصورة تدعو إلى القلق والرعب ، إلى أن ذهب كل منا إلى بيته ولسان حاله يقول " عشنا وشفنا سنين ومن يشوف العجب " . هذه حادثة واحدة من حوادث كثيرة .
مناطق محظورة الدخول إلا بهوية خاصة محاطة بالأسلاك الشائكة ونسف دوائر من اليهود
أخذ التعدي اليهودي على الجيش وموظفي حكومة الانتداب بالتزايد ، فانكسرت شوكة حكومة الانتداب ، وقد لجأت إلى فكرة جعل المناطق الحساسة التي كانت تشغلها الحكومة وموظفي الحكومة وعائلاتهم فنظمت ثلاثة مناطق بالقدس :
1 .
Zone
المنطقة الأولى تضم عمارة الروس المعروفة بالمسكوبية ، وفيها أكثر الدوائر أي دوائر العدل ، والبوليس والاستخبارات ، والحبس ، والنافعة ، والمستشفيات الحكومية ، ودور الولادة الحكومية ، ودائرة الحاكم والمهاجرة وغيرها .
2 .
Zone
المنطقة الثانية تضم دائرة الطابو وجمعية الشبان المسيحية ، وفندق الملك داود ، بما فيه دار صاحب هذا الكتاب المجموعة الجوهرية في جبل النيكوفورية ، والقنصلية الفرنسية ودير اليسوعية المقابل شمالا لفندق الملك داود وغيرها من عمارات معروفة .
3 .
Zone
المنطقة الثالثة تضم أعظم سكن عائلات رؤساء الدوائر البريطانيين في البقعة التحتا وكولونية اليونان وغيرها . وقد وزعت على أهالي هذه المناطق كل بمنطقته هويات تمكنه من الدخول عند إبراز هذه الهوية ، وإني لم أزل أحتفظ ببعض من هذه الهويات لنفسي وعائلتي للذكرى .
وعلى الرغم من جميع هذه الاحتياطات والمخاسر والخراب ، فلم تنج حكومة الانتداب من الإرهاب ، بل كان يزداد يوما على يوم ، فقد نسفت الدوائر الآتية التي كان أكثرها ضمن المناطق المحصنة حتى قلنا " ويأتيكم الموت ولو كنتم في بروج مشيده " صدق اللّه العظيم .