كانت هاتان العصابتان تقومان بأعمالهما الإرهابية بمعرفة الهيئات اليهودية الرسمية وقيادة الهاغاناة وتوجيهها . وكان الجيش البريطاني في كل حادث يتحيز علنا إلى قوات اليهود ويبطش في الأهالي العرب ويستعمل جميع أنواع الظلم والإرهاب حتى أن الحكومة شنقت الشيخ فرحان السعدي من قرية المزار في قضاء جنين لحيازته بعض الأسلحة ، وكان - مع الأسف - شنقه في شهر رمضان ، وهو في الثانية والتسعين من عمره وكان صائما !
جمال بك طوقان
سنة 1938 جاءنا جمال بك طوقان في دائرة حاكم لواء القدس الواقعة - آنذاك - في شارع يافا ، واتخذ مركزا مؤقتا في غرفة السيد منطورة مفتش المالية ، وبقي بدون عمل لمدة لا بأس بها . وعليه سرت إشاعة بين كافة الموظفين بأنه سيكون المساعد للسيد منطورة ، خصوصا في قلم الإيرادات نظرا لاتساع منطقة ضريبة الأملاك في المدن بالقدس ، التي ضمت إليها ألوف الدونمات من أراضي القرى المحيطة بها ، فأصبحت 168 " بلوكا " خارج السور .
لا عجب من قدوم جمال بك لأننا تعودنا على استقبال عدد ليس بالقليل أمثال نظيف بك الخيري ، ونعيم بك عبد الهادي ، والسيد جورج قرط ، . . . وغيرهم كانوا يقتبسون الإدارة من منطورة ، ولكننا دهشنا عندما فوجئنا بأن جمال بك قد عين مساعدا لحاكم لواء القدس ، وقد استلم بالفعل كافة أشغال السيد منطورة ، فيما يتعلق بدائرة الإيرادات من ضبط الحسابات وتدويرها والتحققات والتحصيلات والإعفاءات ، ثم التخمينات والإشراف على لجان التخمين ومراجعة التخمين السنوية والاعتراضات إلى نهاية دور الاستئناف ، وبالإضافة إلى هذا المركز المضني استلم أيضا إدارة شؤون المسلمين ، وما يتعلق بها في مدينة القدس التي كان يشرف عليها نصوحي بك بيضون ! وهكذا أصبح جمال بك بين عشية وضحاها ذا صلاحية واسعة ، بل حاكم مستقل في مقدرات المدينة بأكملها كما يقولون " استقلالا ناجزا دون حماية ولا وصاية " .
باشر جمال بك العمل ولكنه قلب الإدارة رأسا على عقب ، واتخذ منهجا إداريا جديدا حديثا ، فجعل كل موظف تحت إدارته منوطا بعمل خاص يستطيع القيام به ، ومسؤولا اتجاهه مباشرة ، والويل ثم الويل لمن يتخطى حدود عمله ويتدخل في شؤون الغير ، وقد أهمل الطريقة الإدارية التي كان من سبقه يسير عليها باعتقاده بأنها كانت فوضى . . . حتى أنه أصدر أمرا كتابيا منع أي موظف كان دخول غرف الدوائر بعد ساعات العمل الرسمية . وبعمله هذا قد أدخل - بلا شك - السرور والبهجة إلى مرؤوسيه ، وقد عمل عين الصواب لأننا كنا نقضي القسم الأكبر من حياتنا في الدائرة نسهر الليالي الطوال ونقضي كثيرا من الأعياد الرسمية بين السجلات والقيود لإنجاز عملنا المضني من حيث لا نعلم .
وفي مدة وجيزة اتضح للجميع بأن جمال بك قام بهذا العمل الجبار وحده أحسن قيام ، وبرهن عن مقدرة فائقة وكفاءة نادرة ولمسنا الراحة والتنظيم ، فأصبحت إدارته الحكيمة مثالا يقتدي به رؤساء كثيرون من الدوائر في اللواء . كنت عند قدوم جمال بك مدير مال المدينة ، وبقيت في هذا المنصب بمعيته لنهاية الانتداب ، إنما في سنة 1939 صيفا أصابني حادث أزعج صحتي بينته سابقا ، فبواسطة جمال بك عين الأخ أنيس أبو رحمة رئيسا للكتبة ورفع عني حملا ثقيلا وهذه هي أسماء الزملاء آنذاك :